تتحبس أنفاس العواصم الكبرى، من واشنطن إلى طهران، ومن بروكسل إلى بكين، مع اقتراب “المهلة النهائية” التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طاولة القيادة الإيرانية هي ليست مجرد أزمة عابرة في ممر مائي، بل هي “لحظة الحقيقة” التي قد تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط بالحديد والنار.
الإنذار الأمريكي الذي صدم الدوائر الدبلوماسية منح طهران 48 ساعة فقط؛ إما الانصياع الكامل لشروط قاسية تمس جوهر سيادتها، أو مواجهة “عاصفة مدمرة” تستهدف اقتلاع البنية التحتية للطاقة ومحطات الكهرباء والمفاعلات النووية من جذورها.
“الثالوث المحرم”.. شروط ترامب التي لا تقبل التفاوض
ووفقًا للمعلومات المسربة من كواليس القرار في واشنطن، فإن المهلة التي حددها ترامب (48 ساعة) ليست مجرد دعوة لضبط النفس، بل هي مهلة مشروطة بجدول أعمال واضح وصارم. وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة محاور رئيسية:
الملاحة الدولية: الفتح الفوري والكامل لمضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية دون أي قيود أو استفزازات عسكرية من جانب الحرس الثوري.
الملف النووي: التخلي النهائي والقطعي عن البرنامج النووي الإيراني، وتفكيك المنشآت المرتبطة به تحت رقابة دولية صارمة، وهو ما يراه مراقبون “استسلاماً تقنياً” كاملاً.
ترسانة الردع: التوقف التام والنهائي عن إنتاج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، مع فرض قيود تقنية تضمن ألا يتجاوز المدى الأقصى لهذه الصواريخ حاجز الـ 1000 كيلومتر فقط، مما يجرد إيران من قدرتها على تهديد العمق الأوروبي أو القواعد البعيدة.
الرؤية العسكرية.. سماء مكشوفة وطبول “الحرب البرية”
في تحليل عسكري معمق للموقف، يرى اللواء شبل عبد الجواد،. الخبير العسكري والاستراتيجي، من هذا التهديد ليس مجرد “فرقعة إعلامية”، بل هو تمهيد فعلي لجر المنطقة بسرعة نحو “حرب برية شاملة” على إيران، ويكشف اللواء عبد الجواد خلال حديثه لموقع “القصة” عن معلومات في غاية الخطورة تؤكد أن قوات أمريكية قد تحركت بالفعل من الولايات المتحدة، ويقدر الوقت الزمني اللازم لوصولها إلى مسرح العمليات ما بين 3 إلى 4 أسابيع.
وأضاف اللواء شبل أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تعتمد على استغلال “الضعف العسكري الإيراني الواضح”، مؤكدًا أن “سماء إيران مفتوحة و فاضية تماماً”، مما أعطى الضوء الأخضر لسلاح الجو الأمريكي والإسرائيلي للتحرك بحرية مطلقة داخل المجال الجوي الإيراني، حيث تم قصف وتدمير أكثر من 200 هدف استراتيجي حتى اللحظة.
وحذر، من أن سيناريو الضربة القادمة سيتضمن “تخليص” ما تبقى من البنية التحتية للطاقة في إيران، وهي المنشآت التي يعتمد عليها عصب الدولة، وفي المقابل، يتوقع اللواء شبل أن يكون الرد الإيراني “انتحارياً”، حيث ستحاول طهران ضرب المصالح الأمريكية في الدول المجاورة واستهداف أي قاعدة عسكرية أمريكية موجودة في المنطقة، مؤكداً أن هناك مخططاً أمريكياً إسرائيلياً يهدف بالأساس إلى “توريط الدول المجاورة في حرب مباشرة مع إيران”.
زلزال القيادة.. “خامنئي” الغائب وحكم العسكر
وعلى صعيد الداخل الإيراني، رسم اللواء شبل صورة قاتمة لمراكز صنع القرار في طهران، ورأى أن هناك “خللاً بنيوياً في القيادة”، ويشير إلى أن القيادة الإيرانية الحالية تعيش حالة من “الهلع والتخبط الشديد” فخامنئي الحالي “مختبئ وغير ظاهر”، ويسود اعتقاد قوي بأنه “مصاب”، وبأنه أضعف بكثير من والده الذي كان يقبض على مفاصل الدولة بالحديد والنار ويسيطر على كافة الأمور.
هذا الفراغ في القمة جعل الكلمة الأولى والأخيرة في يد “الحرس الثوري”، وهو الجناح الأكثر تشدداً، مما يجعل احتمال استجابة إيران للمطالب الأمريكية ضئيلاً جداً، ويدفع الأمور نحو التصادم الحتمي.
التداعيات الاقتصادية.. تضخم عالمي يفوق “أزمة كورونا”
من الناحية السياسية والاقتصادية، قدم الدكتور محمود السعيد، المحلل السياسي، قراءة مفصلة للتبعات الكارثية التي ستعقب أي عمل عسكري.
وأكد السعيد، لـ”القصة” أن مضيق هرمز هو “عصب الاقتصاد العالمي”، حيث تعبر من خلاله 90% من تجارة النفط والغاز والصادرات الإيرانية تحديداً. وبالتالي، فإن أي تهديد لهذا الممر المائي هو تهديد مباشر للمصالح الاقتصادية العالمية وحركة التجارة الدولية.
وحذر الدكتور السعيد من أن ضرب منشآت الطاقة سيؤدي إلى: ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة: مما سيخلق موجة تضخم عالمية وصفت بأنها ستكون “أصعب مما حدث في أزمة كورونا”.
تمدد الصراع: دخول دول أخرى في هذه الحرب، مما سيؤدي إلى تعقيد المشهد بالكامل وصعوبة السيطرة عليه مستقبلاً.
تهديد الملاحة: تعريض أمن وسلامة السفن التجارية والناقلات للخطر، وهو ما سيعزل المنطقة تجارياً عن العالم.
وشدد المحلل السياسي، على أن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، بل أشارت بوضوح إلى نيتها استهداف المنشآت الحيوية في منطقة الشرق الأوسط التي ترتبط بمصالح مع الولايات المتحدة، مما يعني أن المنطقة بالكامل ستدخل في “نفق مظلم” من الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة.
مصر وقطر.. “الدبلوماسية الهادئة” في مهب العاصفة
في ظل هذا التحشيد العسكري، تبرز مصر كدولة محورية تمتلك مفاتيح التوازن في المنطقة، جنباً إلى جنب مع دولة قطر التي كان لها نجاحات سابقة في ملفات الوساطة ويرى السعيد، أن التحركات المكثفة التي قادها الرئيس السيسي خلال اليومين الماضيين تأتي في إطار محاولة أخيرة لاحتواء الأزمة قبل خروجها عن السيطرة.
وأضاف، أنه تهدف التحركات المصرية إلى إيجاد “مخارج دبلوماسية” وفتح قنوات تفاوض غير مباشر بين واشنطن وطهران، للوصول إلى حل يجنب المنطقة ويلات الحرب البرية التي تلوح في الأفق. فالعالم اليوم لا يتحمل تبعات انفجار جديد في الشرق الأوسط، وتفاقم هذه الحرب سيعني بالضرورة تأثر الجميع، مما يجعل التدخل المصري-القطري بمثابة “طوق النجاة” الأخير لمنع انزلاق المنطقة نحو كارثة محققة.
المواجهة أم الرضوخ؟
بينما تقترب عقارب الساعة من نهاية مهلة الـ 48 ساعة، يبقى السؤال قائماً: هل ستختار إيران الحفاظ على ما تبقى من بنيتها التحتية وتستجيب لمطالب ترامب الثلاثة؟ أم أن “الحرس الثوري” سيقرر المضي قدماً في المواجهة الشاملة، معتمداً على استراتيجية ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة؟ الأكيد هو أن العالم في صبيحة اليوم الثالث لن يكون كما كان قبله، فإما منطقة تسير نحو تسوية قسرية، أو شرق أوسط يشتعل بنيران “حرب الطاقة الكبرى”.