أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

المنيا من جديد.. حين يُهجَّر أبناء الوطن ويغيب العدل

منذ أيام قليلة، اجتاحت مشاهد مؤلمة قرى في المنيا، بعد انتشار لشائعة – علاقة بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة – كانت الشرارة. البعض يرى أن المناخ العام من التوتر الطائفي أو الاجتماعي ساهم في تفجر الموقف بسرعة. حيث تم تهجير أسر مسيحية، ووقعت اعتداءات عليهم وعلى منازلهم وأملاكهم، في ما يبدو استجابة للمزاعم و الشائعات الغير مثبتة. قرار مجلس تحكيم عرفي بقرية نزلة جلف صادر بإجبار الأسرة المسيحية على مغادرة القرية مع تغريمها مبلغًا باهظًا، كان بمثابة تأكيدٍ مؤلم على هشاشة الحماية القانونية للأقلية المسيحية في بعض المناطق الريفية. 

تظهر هذه الحادثة، التي رُوِّج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ورافقها تحريض شعبي، بالكثير من الرموز المؤلمة: أولها أن هناك من يعتقد أنه يمكن أن يُحلّ النزاع بين مواطنين – بغض النظر عن ديانتهم – عبر “عرف قروي” وليس عبر القضاء العادل، وهو ما يعني أن الدولة تخلّت عن دورها الأساسي في حماية المواطن وإرساء حكم القانون. ثانيًا، أن هذا التهجير ليس مجرد نزوح فكري بل مادي؛ فهو يعني ترك المنزل والحق في الأرض والميراث، والمغادرة غالبًا تحت ضغط الخوف والمخاطر الأمنية. وثالثًا، أن الصمت أو التأخر في تدخل الدولة يُعطي رسالة قوية بأن التعدِّي على أي مسيحي قد يمرّ من دون عقاب رادع.

ولا يمكن أن ننظر إلى هذه الحالة بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي يعيش فيه المسيحيون في مصر، خصوصًا في صعيد البلاد. فعلى الرغم من أن الأقباط هم جزء أصيل من نسيج الأمة المصرية، ولهم جذور تمتد إلى بدايات المسيحية في مصر منذ القرن الأول الميلادي، فإنهم كثيرًا ما يُعانون من سياسات التمييز المؤسسي أو الممارسات المحلية التي تقف عقبة أمام حقوقهم كاملة.

أخبار ذات صلة

47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
images (3)
ريمونتادا عسكرية في قلب الدفاع الجوي.. الجيش الملكي يُنهي أحلام بيراميدز القارية بسيناريو مثير
IMG_2925
ثائر ديب يكتب عن أمه: شامةُ ثديها رايتي

منذ سنوات، وقعت حوادث طائفية في قرى مثل الفواخر في المنيا، حيث شنّ بعض الأهالي هجمات على منازل الأقباط على خلفية شائعات تحويل منزل إلى كنيسة، ووقعت أضرار مادية ونفسية كبيرة على الأسر المسيحية هناك. هذا في الوقت الذي ظلت فيه بعض مطالبات الأقباط بتقنين بناء الكنائس وإزالة المعوقات البيروقراطية دون أن ترى تجاوبًا واضحًا في كثير من الأحيان.

من هذه الزاوية، فإن ما جرى في نزلة جلف ليس حادثًا معزولًا أو طارئًا فقط، بل هو تجسيد لما يعانيه الأقلية المسيحية في مواقع عديدة من ضعف في الحماية القانونية، وضغوط محلية ملوَّنة بالتحريض الاجتماعي والتوترات الطائفية، يضيف إليها ضعف في تفعيل دور الدولة كضامن للمواطنة المتساوية.

لكن، ينبغي أن ننبّه إلى أن الملاذ الحقيقي ليس في حس المسؤولية المجتمعية وحدها، بل في دور الدولة الفاعل والحازم. لا يكفي أن تُصدر بيانات استنكار أو تُعلن عن تعويضات لاحقة، بل المطلوب:

. تفعيل القانون فورًا لمعاقبة كل من شارك في التعدي أو التحريض أو الاعتداء على المنازل أو الأملاك، دون تمييز، وبشفافية علنية تُطمئن الجميع بأن الدولة لا تُفرّق بين مواطن وآخر.

. إعادة حقوق التهجير المنقولين: لا بد من تمكين الأسر التي أُجبروا على المغادرة من العودة إلى مساكنهم أو تعويضهم تعويضًا عادلًا، واستعادة كرامتهم بما يتناسب مع الضرر المادي والنفسي الذي لحق بهم.

. مراجعة القرارات العرفية التي تُتخذ في بعض قرى الريف، والتأكد من أن أي فضّ منازعات لا يكون على حساب حقوق المواطنين أو كرامتهم.

. تحسين التشريعات المتعلقة بممارسة الشعائر الدينية وبناء الكنائس، وإزالة العقبات البيروقراطية التي تُعيق الحقوق الدينية للمسيحيين، بما ينسجم مع الدستور والقانون، ويضمن أن المواطن المسيحي لا يُعطّل أو يُساوم على حقه في العبادة.

. تعزيز التوعية المجتمعية والوحدة الوطنية، فدور الإعلام والمدارس والمساجد والكنائس والأندية المجتمعية في التشديد على قيمة المواطنة، واحترام الآخر، وعدم الانسياق خلف الشائعات والتحريض الكاذب، له أهمية كبيرة في الوقاية من الانزلاق إلى العنف.

إن هؤلاء الذين تهُجّروا من بيوتهم أو قُيدت حركتهم هم إخوة لنا، اصحاب الأرض شركاء التاريخ، ليس لأنهم مسيحيون فقط، بل لأنهم مواطنون مصريون من حقّهم أن يعيشوا بأمان وكرامة في أرضهم. أن نطالب الدولة أن تتحرك ليس بوعد عابر، بل بفعل حازم ومحاسبة قوية، ليس دعوة لقمع أي أحد، بل لتطبيق العدالة على من تجاوز القانون، على من يجرؤ أن يعبث بأمن أي مصري، مسلمًا كان أم مسيحيًا.

المعركة في النهاية ليست بين أديان، بل بين من يريد أن يُقيم مجتمعًا على العنف والتطرف والتحريض، وبين من يرى مصر مقبرة لتعصب وغلبة قانون الغاب. لذلك، يجب على الدولة أن تثبت – بأفعال لا بوعود فقط – أنها تحمي كل أبنائها على قدم المساواة، وتوجّه رسالة واضحة بأن التعدّي على أي مصري بسبب دينه ليس مجرّد جريمة فردية، بل هجوم على وحدة الوطن وسلامه.

علينا أن نُذكّر الجميع بأن المساواة في الحقوق ليست امتيازًا لأحد، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الحداثة، والاستقرار، والتعايش بين أبنائنا. ومصر لا تُبنى بالتفرقة بل بالتكاتف، لا تُحفظ بالتهديد بل بالعدل، ولا تُصان بحديث فقط، بل بعنوان العمل والبصيرة والقانون.

في هذه اللحظة الحرجة، أندد بما جرى في المنيا وأقف إلى جوار إخوتنا المسيحيين، وأطالب الدولة بالتحرك الفوري، والضرب بيد من حديد على من تسوّل له نفسه أن يعتدي على أي مصري بسبب عقيدته أو انتمائه. لأنّ حصانة المواطنة لا تُقسّم، وأمن المواطن لا يقبل المساومة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2899
وداد نبي تكتب عن أمها: مرثية لزمنٍ لن يعود
IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"

أقرأ أيضًا

IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان