لا يكاد يوجد ملف يمس الحياة اليومية للمواطن المصري بقدر ما يمسّه ملف الإدارة المحلية، فمن الطرق التي نسير عليها، إلى نظافة الشوارع، وتراخيص البناء، وتنظيم الأسواق، وإدارة المرافق، وتقديم مختلف الخدمات الأساسية، كلها تندرج ضمن اختصاص المحليات. ومع ذلك، يظل المواطن بعيدًا عن اختيار من يتولى إدارة هذه المنظومة، رغم تأثيرها المباشر في تفاصيل حياته اليومية.
الدستور المصري لم ينص صراحة على طريقة اختيار المحافظين أو رؤساء المدن والأحياء والقرى، بل ترك الأمر للمشرع وقانون الإدارة المحلية.
وهذه المساحة التشريعية ليست مجرد تفصيل إجرائي، بل فرصة حقيقية لإعادة النظر في فلسفة إدارة الشأن المحلي برمته. فهل نستمر في نظام التعيين المباشر، أم ننتقل إلى نظام انتخابي يعزز المساءلة والمشاركة؟
لقد تغيرت معايير الإدارة الحديثة، لم يعد معيار الكفاءة يُقاس فقط بثقة جهة التعيين في المسؤول، بل بقدرته على إقناع المواطنين ببرنامجه، وتحقيق وعوده، والخضوع لرقابتهم المباشرة. في النظم التي تعتمد انتخاب حكام الأقاليم أو رؤساء البلديات، أصبح المسؤول المحلي مرتبطًا بعقد سياسي وأخلاقي مع ناخبيه، يدرك أن استمراره في منصبه مرهون بأدائه.
تخيل أن يُفتح باب الترشح لمنصب المحافظ، فيتقدم أكثر من مرشح ببرامج واضحة: خطط لتحسين البنية التحتية، وجداول زمنية لتطوير الخدمات، ورؤى لضبط العمران ومكافحة الفساد.
يتابع المواطنون المناظرات، ويقارنون بين البدائل، ثم يختارون من يمثلهم. بعد ذلك، يجلس المحافظ المنتخب أمام مجلس محلي منتخب بدوره، يراقبه ويحاسبه، في إطار من الشفافية والتوازن المؤسسي.
في هذا السيناريو، لا يصبح المنصب مجرد تكليف إداري، بل مسؤولية سياسية أمام جمهور محدد. المحافظ المنتخب سيكون أكثر حرصًا على التواصل مع المواطنين، وأكثر التزامًا بتحقيق نتائج ملموسة، لأنه يعلم أن صندوق الانتخابات ينتظره في نهاية مدته.
كما أن الانتخاب يفتح الباب أمام تنافس حقيقي بين الكفاءات، ويشجع القيادات الشابة وأصحاب الخبرات العملية على خوض التجربة، بدلًا من اقتصار المنصب على ضباط سابقين على المعاش او موظفين بينهوا فترة خدمتهم. والمنافسة بطبيعتها تفرز الأفضل، وتدفع نحو الابتكار في الحلول، خصوصًا في ظل التحديات المعقدة التي تواجه المدن والأقاليم في مصر.
ولا يمكن إغفال البعد الرقابي. فالمساءلة الشعبية، حين تقترن برقابة المجالس المحلية المنتخبة، تخلق شبكة مزدوجة من المتابعة تقلل فرص الفساد، وتزيد من شفافية القرار المحلي.
المسؤول الذي يعلم أن أداءه يخضع لعين الناخبين لن يتعامل مع موقعه بوصفه وظيفة دائمة، بل مهمة مؤقتة تتطلب إنجازًا حقيقيًا.
إن انتخاب المحافظين ليس طرحًا نظريًا أو ترفًا سياسيًا، بل خطوة منطقية في مسار تفعيل اللامركزية التي أشار إليها الدستور. وهو أيضًا رسالة ثقة في وعي المواطنين وقدرتهم على اختيار من يدير شؤونهم اليومية.
قد يثار الجدل حول التوقيت أو الضمانات أو آليات التطبيق، وهي تساؤلات مشروعة يجب مناقشتها بجدية. لكن ما لا ينبغي تجاهله هو أن إصلاح الإدارة المحلية لن يكتمل دون إعادة النظر في طريقة اختيار قياداتها.
إن منح المواطنين حق اختيار محافظيهم ليس مجرد تعديل قانوني، بل تحول في فلسفة الحكم المحلي: من إدارة تُدار من أعلى، إلى إدارة تنبع من إرادة الناس وتُحاسَب أمامهم. وفي هذا التحول، قد نجد مفتاحًا حقيقيًا لتطوير الخدمات، واستعادة الثقة، وبناء محليات أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المجتمع.