أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

بين الغرق والعودة | لماذا يهرب شباب شمال إفريقيا.. ومن المسؤول؟

“بموت في البحر ولا برجع هناك.”.. هكذا بدأ شاب جزائري حديثه معي وهو في محطة عبور مؤقتة داخل ليبيا، في طريقه إلى أوروبا عبر الهجرة غير النظامية.

كان جائعًا، متسخ الملابس، مرهقًا، لكنه ثابت، لا يتردد لحظة في رغبته: لن يعود، حتى لو ابتلعه البحر.

هذا الشاب ليس استثناءً، بل هو جزء من موجة هائلة من الشباب في شمال إفريقيا «الجزائر – تونس – المغرب – مصر – والسودان» الهاربين من واقع اقتصادي واجتماعي خانق جعل البحر أكثر رحمة من الأرض التي خرجوا منها.

أخبار ذات صلة

ترامب
من بينها وقف إطلاق النار.. بنود الوثيقة الأمريكية لإنهاء الحرب الإيرانية
محمد صلاح
"لقد حان الوقت".. محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول بنهاية الموسم
دمار هائل
استهداف المنشآت النووية.. هل كسرت إيران وإسرائيل قواعد الاشتباك؟

أنا لا ألومهم، ولست ممن يقفون على الشاطئ يلقون محاضرات عن “خطورة الهجرة”، لأن ما يهرب منه هؤلاء أخطر، وما يدفعهم للرحيل أكبر من مجرد رغبة في أوروبا، إنه انسداد كامل في فرص الحياة.

حسب بيانات الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصل نحو 199,400 شخص إلى أوروبا عبر البحر في 2024، بينما سُجّل أكثر من 3,500 وفاة وفقدان لنفس العام. وفي 2023، وصل العدد إلى 275,200 مهاجر، مع 4,110 حالات وفاة، هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل جثث لشباب فقدوا آخر رهان في الحياة.

المسار الأخطر هو المسار المركزي في المتوسط — الذي ينطلق من ليبيا وتونس وأحيانًا الجزائر.

عام 2023 وحده شهد أكثر من 212 ألف محاولة عبور عبر هذا المسار، بزيادة 50% عن العام الذي يسبقه. وفي 2024، سُجّل ما لا يقل عن 1,842 شخصًا مفقودًا أو ميتًا في هذا الطريق تحديدًا.

المشهد واضح:

الحدود تُغلق، الخطابات تتشدّد، لكن القوارب لا تتوقف… لأنها ليست مجرد “رحلات هجرة”، بل محاولات نجاة.

أما مصر… فالقصة شيء آخر تمامًا

تحاول الحكومة المصرية منذ 2016 تقديم نفسها كشريك “ناجح” لأوروبا في وقف الهجرة غير النظامية. الرسالة الرسمية جاهزة:

“مافيش مركب واحد خرج من السواحل المصرية”

بناءً على ذلك، حصلت القاهرة على تمويلات أوروبية ضخمة لتعزيز “مراقبة الحدود”، من معدات تقنية للقوات البحرية إلى برامج تدريب وتمويل مباشر.

لكن هذا النجاح المعلن يخفي مأساة أكبر.

لأن المصريين لم يتوقفوا عن الهجرة… بل غيروا الطريق. فبدلا من ركوب البحر من رشيد أو دمياط، صاروا يسافرون إلى ليبيا أو تونس ثم يركبون قوارب أكثر خطورة، ويموتون في صمت بعيدًا عن الشواطئ المصرية.

تقارير أوروبية رسمية تشير بوضوح إلى أن المصريين أصبحوا من أعلى الجنسيات لعبور المتوسط عبر ليبيا، وخصوصًا مع انهيار الاقتصاد المصري خلال 2022–2024، وارتفاع معدلات الفقر، والأزمات المتلاحقة في الأسعار والتعليم والصحة.

مات المصريون… لكن بعيدًا عن الكاميرا. لم تختفِ الهجرة، بل اختفت مسؤولية الدولة عنها.

ليبيا.. الطريق الذي يبدأ فيه الموت قبل البحر

ليبيا لم تعد مجرد نقطة عبور، بل أصبحت ممرًا طويلًا يُدخِل الهاربين في دائرة عنف لا تتوقف. كل من يهرب من شمال أفريقيا — سواء كان مصريًا أو جزائريًا أو سودانيًا — يعرف أن الدخول إلى ليبيا يعني احتمالية التعرض للخطف مقابل فدية، أو الاعتقال في مراكز احتجاز قذرة وغير إنسانية، أو الوقوع تحت سيطرة ميليشيات تستغلهم في العمل القسري، أو التعرض للضرب والإهانة والابتزاز، بينما تتعرض الكثير من النساء لانتهاكات جنسية ممنهجة تُستخدم كسلاح للسيطرة والإذلال. ومع ذلك، ورغم كل هذا الرعب، يذهب الناس. يذهبون لأنهم وصلوا إلى لحظة صار البقاء فيها في الوطن أشبه بانتظار بطيء للموت، حيث تذوب الفرص وتتلاشى الحياة الكريمة وتنتفخ البطالة وينهار الاقتصاد وتضيق الحريات، فيجدون أنفسهم أمام خيارين كلاهما جحيم: البقاء في بلد لا يمنحهم شيئًا، أو عبور ليبيا بما فيها من عنف وفوضى وظلام من أجل فرصة — ولو ضئيلة — للوصول إلى ضفة أخرى قد تحمل أملاً جديدًا. إن ليبيا بالنسبة لهم ليست مرحلة انتقالية، بل اختبار قاسٍ لإرادتهم في الحياة، لكنهم يقبلون به لأن ما تركوه خلفهم أشد قسوة مما يواجهونه في الطريق.

السودانيون من جحيم الحرب… إلى جحيم البحر

الحرب في السودان خلقت واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم منذ 2023، إذ اضطر أكثر من عشرة ملايين شخص لترك منازلهم، بين نازح داخلي ولاجئ تائه في بلدان الجوار. وعندما وصل آلاف السودانيين إلى مصر، ظنوا أنهم وجدوا مساحة للالتقاط الأنفاس.

لكن سرعان ما اصطدموا بتضييقات قانونية وأمنية واقتصادية خلال عامي 2024 و2025 دفعت كثيرين منهم إلى إعادة التفكير في مسارهم كله، واتخاذ قرار جديد أصعب وأكثر خطورة: الهروب من مصر نفسها إلى ليبيا، ومن ليبيا إلى البحر، ومن البحر إلى مستقبل مجهول.

بعضهم وصل بالفعل إلى أوروبا منهكًا ولكنه حيّ، وبعضهم اختفى في الطريق، وبعضهم لم يُعرف مصيره إلا كرقم صغير في قائمة طويلة تحمل عنوان “المفقودون”.

لكن خلف كل رقم قصة كاملة: أم في قرية مصرية تنتظر مكالمة ابنها الذي اختفى منذ شهرين، وأب باع أرضه ليُموّل رحلة ابنه ثم تلقى الرسالة الباردة: “القارب غرق”، وشباب نجوا إلى أوروبا لكنهم يحملون في ذاكرتهم صورًا حية لمن غرقوا أمام أعينهم ولم يستطيعوا إنقاذهم.

البحر في هذه الرحلات لا يبتلع أجسادًا فقط؛ هو يبتلع أحلامًا صغيرة تشكّلت في قلوب فقراء، ويبتلع خططًا لمستقبل لم يُكتب له أن يبدأ، ويبتلع كل ما تبقّى من ثقة بين الدولة ومواطنيها. كل موجة ترتفع وتنخفض فوق سطح المتوسط تُسقط معها حكاية، وكل رحلة تختفي في العتمة تترك وراءها صمتًا طويلًا وأسئلة بلا إجابات.

اللوم الحقيقي على الأنظمة.. لا على الشباب

أسهل ما يمكن فعله هو توجيه اللوم إلى الشاب الذي يركب قاربًا مطاطيًا محفوفًا بالموت، وكأن هذا القرار جاء بدافع المغامرة أو الجهل. لكن الأصعب — والأصدق — هو أن نواجه السؤال الحقيقي: ما الذي يجعل شابًا في العشرينات أو الثلاثينات يرى أن البحر أكثر رحمة من الحياة في بلده؟ اللوم لا يقع على هؤلاء الذين يهربون، بل على الأنظمة التي استثمرت في القمع بدل الاستثمار في البشر، وعلى حكومات تخلّت عن مسؤولياتها تجاه شعوبها، وعلى اقتصاد متصدّع يجرّ الناس إلى الهامش، وعلى فساد يبتلع أي فرصة حقيقية للعمل أو الاستقرار أو الكرامة.

اللوم يقع أيضًا على الدول الأوروبية التي تتغنى بحقوق الإنسان بينما تموّل الجدران والزوارق وخطط إعادة المهاجرين، بدل فتح مسارات إنسانية آمنة. الشباب الذين يهربون ليسوا ضحايا “وهم أوروبا”، بل ضحايا واقع لم يعد يحتمل. وعندما يقول شاب جزائري أو مصري أو سوداني: “بموت في البحر ولا أرجع”.

فهو لا يتحدى الموت، بل يرفض حياة لم تعد حياة. بالنسبة له، الهجرة ليست حلمًا أوروبيًا بقدر ما هي محاولة أخيرة ليشعر بوجود مستقبل يستحق السعي إليه. وحتى تتغير أوطاننا، ستظل القوارب تنطلق في الليل، وسيفتح البحر فمه لابتلاع المزيد، وستظل آلاف الأمهات ينتظرن اتصالًا لن يأتي.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

رياح شديدة
الربيع يضرب مبكرًا.. اضطرابات جوية قوية وتعطيل الدراسة احترازًا
سماح_2932_104327
تكلفة قرار غلق المحال 9 مساءً.. هل تنقذ الحكومة الطاقة على حساب الاقتصاد؟
الكاتب الكويتي - محمد المليفي
بعد "تجاوز الحدود".. كيف أطاحت مقالة واحدة بكاتب كويتي في قبضة النيابة العامة؟ كواليس الأزمة
الدفاع الإماراتية
مغربي الجنسية.. "الدفاع الإماراتية" تنعى أحد متعاقديها وتدين اعتداءً في البحرين

أقرأ أيضًا

إبراهيم الشيخ
ماذا لو كان العرب متحدين الآن؟
محمد الحملي
علاقة فؤاد الهاشم والكلاب بمصر.. الطيور على أشكالها تقع
هارون الهواري
هذا هو قَدَرُ مصر.. "الكبير" في الأزمات والملمّات في المنطقة
عبد الغني الحايس
عناوين الصحف ودعوة للتفاؤل