بينما كانت العواصم الإقليمية تترقب خروج “دخان أبيض” من غرف المفاوضات المغلقة، جاءت النيران من سماء “الجبيل” لتخلط الأوراق بالكامل لم تكن الضربة الإيرانية الليلية لمجمع البتروكيماويات السعودي مجرد تصعيد عسكري عابر، بل كانت بمثابة اختبار حقيقي وخطير لواحد من أكثر التحالفات العسكرية تعقيداً في المنطقة: التحالف السعودي الباكستاني.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن على طاولة صناع القرار: هل تتحول إسلام آباد، التي طالما لعبت دور “حمامة السلام” والوسيط الهادئ، إلى طرف أصيل في نزاع مسلح ومباشر مع جارتها اللدود طهران؟
اتفاقية الدفاع المشترك.. العقد الملزم
ما كشفت عنه المصادر لـ “رويترز” يضع اليد على الجرح، فالعلاقة بين الرياض وإسلام آباد ليست مجرد تبادل تجاري أو تنسيق سياسي، بل هي قائمة على “عقيدة دفاعية” راسخة، وبموجب الاتفاقيات الأمنية، فإن أي تهديد للأمن القومي السعودي يلزم باكستان أدبياً وعسكرياً بالتحرك.
يضع الدكتور بشير عبد الفتاح الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية النقاط على الحروف؛ مؤكداً لـ”القصة” أن باكستان لن تغادر مربع “الوساطة” لتتحول إلى طرف منحاز في الصراع، لعدة أسباب استراتيجية:
- غياب التهديد الوجودي: رغم خطورة ضربة الجبيل، إلا أنها لم تصل لمستوى “التهديد الوجودي” للمملكة العربية السعودية، وهو الشرط الوحيد الذي قد يدفع إسلام آباد للمخاطرة بتورط عسكري مباشر.
- دروس الحليف الأمريكي: تدرك باكستان أن الولايات المتحدة، برغم شراكاتها الاستراتيجية واتفاقات الدفاع مع دول الخليج، لم تدخل في صدام بري أو عميق، ولذا فإن إسلام آباد ستكتفي بدعم الرياض سياسياً ودبلوماسياً دون الانزلاق لمواجهة حدودية مع جارتها إيران.
- تجنب “جبهات الجوار”: باكستان وإيران لديهما من الخلافات الحدودية ما يكفي، ولا تملك إسلام آباد الرفاهية لتوسيع نطاق العداء مع دولة جار في حرب تُصنف بأنها “مهمة أمريكية” بالأساس.
نهاية اللعبة.. ترامب والمقص العسكري
وفقاً للتحليل، فإن الموضوع يوشك على الانتهاء الضربات الكثيفة المتوقعة اليوم من الجانب الأمريكي تهدف إلى “تسوية المسألة” نهائياً، عبر شل قدرات إيران الصاروخية وإعادتها عقوداً إلى الوراء.
يقول الدكتور بشير عبد الفتاح: “إيران لن يكون لديها القدرة على تهديد جيرانها لسنوات طويلة بعد هذه الضربات ما تبقى لديها من مخزون صاروخي قد يستنفد في ليلة أو ليلتين ضد أهداف أمريكية أو في بعض دول الخليج، لكن السعودية ليست الهدف الأساسي والأقوى في هذه اللحظة لأنها لا تستضيف الوجود العسكري الأمريكي الكثيف كما هو الحال في دول أخرى”.
ذكاء “طهران” في اختيار الأعداء
رغم ضجيج الصواريخ، تبدو إيران حريصة على “شعرة معاوية” مع جيرانها الأقوياء لم تطلق طهران باتجاه تركيا عضو الناتو سوى 4 صواريخ من أصل آلاف، وهو ما يفسره د.بشير بأنها لا تريد خسارة “دول الجوار” باكستان، تركيا، أذربيجان رغم الخلافات القائمة، مستكملاً بأن إيران تدرك تماماً أن هذه الدول ستكون رئتها التي تتنفس منها في مرحلة “ما بعد الحرب” وإعادة الإعمار، لذا فهي تتحاشى دفع باكستان تحديداً لتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية.
انتهاء عصر المفاوضات
مع إعلان إيران رسمياً توقف المفاوضات ورفضها الاستمرار في الحوار، دخلت المنطقة مرحلة “الحسم العسكري الخاطف”، ومن حسن حظ باكستان، أن استراتيجية “الإجهاز” التي يقودها ترامب ستحسم الصراع سريعاً، مما يعفي إسلام آباد من اتخاذ قرارات مصيرية مؤلمة، ويبقيها في دور “السند السياسي” للرياض دون الحاجة لفتح جبهة قتال لن يستفيد منها سوى الفوضى.