في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها منظومة الطاقة، قررت الحكومة المصرية تطبيق مواعيد مبكرة لغلق المحال والمولات والمطاعم والكافيهات عند الساعة 9 مساءً، في محاولة للحد من استهلاك الكهرباء وتقليل فاتورة استيراد الطاقة.
لكن القرار رغم أهدافه، يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة وهي: كم تبلغ تكلفته الاقتصادية؟ وهل يحقق فعلاً ما تستهدفه الدولة؟
خسائر بالملايين يوميًا
تشير التقديرات إلى أن قطاع التجزئة والمطاعم يعتمد بشكل أساسي على ساعات المساء، حيث تمثل الفترة من السابعة مساءً وحتى منتصف الليل ذروة النشاط التجاري.
وبحسب تقديرات غير رسمية، يفقد النشاط التجاري ما بين 30% إلى 50% من إيراداته اليومية.
إذا كان متوسط دخل المحل أو المطعم 10 آلاف جنيه يوميًا فإن الخسائر تتراوح بين 3 إلى 5 آلاف جنيه يوميًا.
وعند تعميم هذه الأرقام على آلاف المحال، تصل الخسائر إلى مئات الملايين من الجنيهات يوميًا على مستوى الجمهورية.
تأثيرات تمتد إلى العمالة
لا تتوقف تداعيات القرار عند أصحاب المحال فقط، بل تمتد إلى العمالة اليومية، موظفي الشيفتات الليلية، خدمات التوصيل.
حيث يؤدي تقليص ساعات العمل إلى انخفاض دخول آلاف العاملين، واحتمالات تقليص العمالة في بعض الأنشطة.
سلسلة خسائر في قطاعات مرتبطة
القرار ينعكس أيضًا على قطاعات أخرى، منها:شركات الدليفري والموردين والصناعات الغذائية. ما يعني أن التأثير الاقتصادي يتجاوز المحال ليصيب سلسلة كاملة من الأنشطة المرتبطة.
مكاسب حكومية بمليارات الدولارات
تسعى الحكومة من خلال القرار إلى خفض استهلاك الكهرباء، خاصة في أوقات الذروة، في ظل ارتفاع كبير في تكلفة استيراد الغاز.
ووفقًا لبيانات متداولة، ارتفعت فاتورة استيراد الغاز من نحو 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، ما يعني أن أي خفض في الاستهلاك بنسبة 10% إلى 15% قد يوفر مئات الملايين من الدولارات شهريًا.
ما مدى فاعلية القرار
يرى خبراء أن القرار يحقق نتائج واضحة على مستوى:تقليل الضغط على شبكة الكهرباء وخفض الاستهلاك في أوقات الذروة وتقليل الاعتماد على الاستيراد بالدولار.
لكنه في المقابل، يضغط على النشاط التجاري ويقلل من حركة الاستهلاك ويضر بالاقتصاد غير الرسمي بشكل كبير.
قرار مؤقت أم بداية لسياسة طويلة؟
الحكومة أكدت أن القرار سيتم تطبيقه لمدة شهر مبدئيًا، مع تقييم الوضع لاحقًا.
وتبقى السيناريوهات مفتوحة، إلغاء القرار مع تحسن الأوضا، أو مده حال استمرار أزمة الطاقة، أو اللجوء لإجراءات إضافية إذا تفاقمت الأزمة.
لماذا الآن؟
يأتي القرار في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وزيادة الضغط على العملة الأجنبية،. فتسعي الدولة لتجنب قرارات أكثر صعوبة مثل رفع أسعار الكهرباء أو الوقود.
قرار إغلاق المحال.. تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية
في هذا السياق، قال الدكتور أحمد خزيم، الخبير الاقتصادي، أن قرار الحكومة بإغلاق المحال والمطاعم مبكرًا قبيل عيد الفطر، تحت مظلة ترشيد استهلاك الطاقة، يثير العديد من التساؤلات حول جدواه الاقتصادية وتوقيته، مؤكدًا أن مثل هذه القرارات يجب أن تستند إلى دراسات عميقة وخطط مدروسة، لا أن تصدر بشكل مفاجئ أو عشوائي.
حجم الوفر مقابل الخسائر
وأوضح أن السؤال الأهم يتمثل في: ما حجم الوفر الحقيقي الذي ستحققه الدولة من هذا القرار؟
وهل يفوق هذا الوفر حجم الخسائر الناتجة عنه؟
خاصة في ظل التأثير المباشر على أصحاب المحال والعاملين بها، نتيجة تقليص ساعات العمل وتقليل الورديات، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الدخول وزيادة معدلات البطالة، فضلًا عن تراجع الحصيلة الضريبية التي تعتمد عليها الخزانة العامة.
تأثير على النشاط الليلي
وأضاف أن طبيعة الاستهلاك في المجتمع المصري تميل إلى النشاط الليلي، خاصة في القطاعات الترفيهية والسياحية، وبالتالي فإن تقليص ساعات العمل مساءً قد يؤدي إلى شلل نسبي في هذه الأنشطة، دون تحقيق وفر حقيقي يُذكر في استهلاك الطاقة، ما يجعل الفارق بين ما يتم توفيره وما تخسره الدولة ضئيلًا للغاية، وقد يكون بلا قيمة تُذكر.
الترشيد يبدأ من الإنفاق الحكومي
وأشار خزيم إلى أن الترشيد الحقيقي يجب أن يبدأ من تقليل الإنفاق الحكومي، خاصة في المشروعات الكبرى التي تستهلك موارد ضخمة، وليس فقط تحميل المواطن والقطاع الخاص أعباء إضافية، فيجب أن يبدأ الترشيد بإيقاف تلك المشاريع الغير ضرورية.
ضغوط خارجية على الاقتصاد
كما حذر من أن الاقتصاد المصري يواجه بالفعل ضغوطًا خارجية كبيرة، مثل تراجع إيرادات قناة السويس بسبب التوترات الإقليمية وانخفاض عوائد السياحة، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يتطلب خطط طوارئ واضحة واستباقية، وليس ردود أفعال مؤقتة.
توقعات برفع الأسعار لاحقًا
وتوقع أن تلجأ الحكومة لاحقًا إلى رفع الأسعار مجددًا، سواء بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا أو نتيجة خروج الاستثمارات الأجنبية (الأموال الساخنة)، ما يزيد من الضغوط التضخمية على المواطنين.
الحلول الشاملة المطلوبة
وأكد أن الحلول الحقيقية لا تكمن في إجراءات هامشية مثل تقليل ساعات العمل، بل في سياسات اقتصادية شاملة، تشمل ضبط الإنفاق، وزيادة الإنتاج، ووضع آليات لحماية الطبقة المتوسطة، مثل ربط الأجور بمعدلات التضخم بشكل دوري.
القرار غير فعال
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن القرار، في صورته الحالية، «غير فعال وغير مؤثر»، ولن يحقق النتائج المرجوة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الاقتصاد والمجتمع.
بين خسائر يومية تُقدر بمئات الملايين، ومكاسب محتملة في توفير العملة الصعبة، يقف قرار غلق المحال مبكرًا كأحد أبرز إجراءات «إدارة الأزمة» وليس حلًا جذريًا لها.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحقيق التوازن بين تخفيف الضغط على الطاقة دون خنق النشاط الاقتصادي.