مثّل تكليف المحكمة العليا لديلسي رودريغيز برئاسة فنزويلا، خلفًا للرئيس نيكولاس مادورو، منعطفا جديدا داخل الأوساط السياسية في أمريكا اللاتينية والعالم.
القرار، الذي جاء في وقت حرج، يضع البلاد على مفترق طرق بين الحفاظ على استمرارية النظام والدخول في مرحلة سياسية غير مسبوقة.
في هذا السياق، سلّط خبراء القانون والسياسة الضوء على تداعيات هذا التكليف، ما بين الإطار الدستوري، والرسائل السياسية للولايات المتحدة، واستقرار النظام الفنزويلي داخليًا.
المحكمة العليا والسلطة المؤقتة
أكد الدكتور أيمن سلامة أن تكليف نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز يعني توليها جميع الصلاحيات المرتبطة بمنصب رئيس الجمهورية بصفتها رئيسة مؤقتة بالإنابة.
وأضاف سلامة لـ”القصة” أن هذا القرار يُفسَّر في إطار محاولة ضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة والدفاع عن البلاد، مشيرًا إلى أن المحكمة رأت أن غياب مادورو يُعد غيابًا قسريًا مؤقتًا وليس غيابًا نهائيًا، مستندة في تفسيرها إلى المادتين 234 و239 من الدستور الفنزويلي، اللتين تمنحان نائب الرئيس حق تولي مهام رئيس الدولة في حالات الغياب المؤقت.
وأوضح سلامة أن المحكمة أخطرت رودريغيز وقيادة الجيش والجمعية الوطنية بأن القرار جاء استجابة للضرورة الملحّة والتهديد المؤكد الذي تواجهه البلاد، مؤكدًا أن الإجراء يمثل خطوة احترازية ضد العدوان الخارجي، ويضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة واستقرار سيادتها.
وأشار إلى أن فكرة الدعوة لانتخابات رئاسية خلال 30 يومًا بعيدة عن التفسير الدستوري الحالي، نظرًا لأن الحالة تُعد اختفاءً قسريًا مؤقتًا للرئيس، وما زال متوقعًا عودة مادورو أو محاكمته في الولايات المتحدة، ما قد يغيّر المشهد بالكامل.
قراءة سياسية.. استمرارية النظام أم بداية فوضى؟
من جانبه، وصف الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، تكليف رودريغيز بأنه خطوة أولى، لكنها لا تمهّد للاستقرار الكامل.
وأضاف فهمي لـ”القصة” أن سيناريو الاستقرار غير وارد في الوقت الحالي، مؤكدًا أن الترقب يسيطر على رد فعل المؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان، بالإضافة إلى شرائح المجتمع المختلفة.
وأوضح أن تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب تُفهم على أنها إدارة لشؤون فنزويلا داخليًا وليس احتلالًا، وأن ما يحدث يتعلق بالموارد الاقتصادية وإدارة النفط والشركات، وليس السيطرة المباشرة على الأرض.
وأشار إلى أن الوضع السياسي هش، وأن الإدارة الأمريكية ستواجه تحديات داخلية وخارجية، بما في ذلك الانتخابات النصفية والضغوط الدولية، وأن قدرة واشنطن على فرض الاستقرار ستكون محدودة في المرحلة الأولى.
4 عوامل
وأكد فهمي أن النظام لم يستقر بعد، وأن استمراريته تعتمد على أربعة عوامل رئيسية:
قبول المجتمع الفنزويلي بالتغيير واستمرار رودريغيز في موقعها.
إقامة انتخابات عاجلة لملء الفراغ في السلطة، وهو أمر يحتاج إلى قوة ضغط كبيرة.
الداخل الأمريكي، والقيود الدستورية على صلاحيات الرئيس لإرسال قوات خارجية دون موافقة الكونغرس.
تقبّل المجتمع الدولي، بما في ذلك ردود فعل الدول الكبرى مثل روسيا والصين، وقدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمة داخليًا.
السيناريوهات المحتملة.. الانتخابات والاستقرار المؤقت
أكد “سلامة” أن الإطار الدستوري الحالي لا يجيز الانتخابات المبكرة، نظرًا لأن الحالة تُعد مؤقتة، وأضاف أن المحكمة العليا هي صاحبة الاختصاص الحصري في تفسير النصوص الدستورية المرتبطة بهذه الحالات، وأن القرار يهدف إلى ضمان عمل الحكومة واستمرار السيادة الوطنية، خصوصًا في مرحلة وصفها بالحاسمة في تاريخ البلاد.
وأشار إلى أن القبض على مادورو في السيناريو الحالي مشابه لحالات سابقة في أمريكا اللاتينية، مثل الرئيس السابق لبنما نورييغا، موضحًا أن تاريخ البلاد والأزمات السابقة يُظهر أن الاستقرار السياسي لا يتحقق بسهولة، وأن المرحلة القادمة ستكون مليئة بالتحديات.
واقع فنزويلا في مهب الترقب
بينما يواصل العالم متابعة تطورات فنزويلا، يبقى السؤال الأبرز: هل تكليف ديلسي رودريغيز يمثل خطوة لحماية النظام أم بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي؟
تصريحات الخبراء تؤكد أن البلاد لا تزال تحت وطأة الهشاشة السياسية، وأن أي استقرار قد يكون مؤقتًا ويحتاج إلى وقت طويل وجهود محلية ودولية لضمان استمرار عمل المؤسسات والدفاع عن سيادة الدولة.