أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

ثائر ديب يكتب عن أمه: شامةُ ثديها رايتي

ثائر ديب

كانت لأمّي شامةٌ على ثديها الأيمن، أعلاه وإلى الوحشيّ منه.

هذه الشامة كانت لي، شامتي.

أخبار ذات صلة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"

ما كنتُ لأغفو إن لم أضع إصبعي الصغيرة عليها. سُمِّيَت باسمي، أو نُسِبَت إليّ، منذ طفولتي الأولى، وبقي الاسم ما بقينا.

أزعم لنفسي، في بعض الأحيان، أنني أتذكّر ذلك بتفاصيله، وأنني كنت أدركه وأعيه في حينه، وأنّ الأمر ليس مستمدّاً من كلام أمّي وأخوتي اللاحق، الذي ظلّ يُكرَّر لسنواتٍ إلى أن غامت الحدود بين ذكرياتهم وذكرياتي.

كنت واحداً من سبعة أبناء وبنات.

أكاد أكون الأوسط بينهم. وبيني وبين الصغرى تسع سنوات. لكني أحسّ طوال الوقت أننا كنّا سبعة على الدوام.

ربما لأنّ الزمن ابتعد بنا كثيراً عن تلك الأيام، أو لأنّ الذكريات الواضحة والإدراك البيّن مشدودان إلى زمن السبعة.

ولعلّ عقلي اخترع هذا الإحساس بأننا لطالما كنّا سبعة كي أنافس ستّة على المكانة لدى أمّي وعلى شامتها، ولا أكتفي باثنين فحسب.

هكذا، أزعم لنفسي أنني كنت معبود أمّي.

وأعلم علم اليقين أنني كنت شديد التعلّق بها، ولا أزال، على الرغم من رحيلها منذ أكثر من عقد ونصف العقد. ولقد كان لذلك التعلّق وتلك الشامة أن يساهما في صوغ مصيري أشدّ الصوغ، على نحوين متعارضين أشدّ التعارض، أو متجاذبين أشدّ التجاذب.

من جهة أولى، نحن نعلم، بعد فرويد خصوصاً، أنّ الذي يكون مفضّلاً لدى أمّه يتمتّع بنوع من الثقة بالنجاح، تولّد النجاح الفعلي في أغلب الأحيان. ولطالما لازمتني هذه الثقة، ونادراً ما ضعفت، ولا شكّ أنّها ترجع إلى الأمان الذي وفّره لي حبّ أمّي.

غير أنّ تشبّثي الشديد والمتكرر بهذا الأمان الذي يوفّره حبّ الأمّ، أو بتلك الشامة، يشير، من جهة ثانية، إلى شدّة الخوف من انعدام ذاك الأمان.

فالتعلّق بالأم الذي يولّد الثقة بالنفس، له أيضاً جانبه السلبي الذي يخلق شعوراً مزعزعاً حين يلوح ما يقلّل، ولو قليلاً، من المحبّة والإعجاب المؤكّدين. وهكذا، إلى جانب الثقة بالنفس، كان الخوف من انعدام الأمان عنصراً محورياً لديّ، وجد تعبيراً جليّاً عنه في نوع مما يدعوه فرويد “قلق الهجر”، سواء تعلّق الأمر بأمّي أو بكلّ من ألوذ بكنفه، أو بكنفـ”ـها” في الحقيقة. ولعلّي لا أجافي الصواب لو قلت إنّ ذلك الانعدام للأمان لا يساهم في السعي الدائب وراء أمان الحبّ فحسب، بل في الدافع إلى الإنجاز أيضاً، وفي البحث عن المعرفة، ورغبة المرء في أن يغلب العالم عقلياً درءاً لتلك الزعزعة.

لا أعلم إن كان لذلك كلّه بعدٌ طبقي. الأحرى أنني لا أُحسن ربطه ببعدٍ طبقي. بيد أننا كنّا فقراء، فقراء.

أبٌ عامل وأمٌّ عاملة من أصول فلاحية، يعيلان عائلة ممتدة لفترة مديدة، ويراهنان على تعليم الأبناء. لكنّ هؤلاء الأخيرين الذين تعلّموا بالفعل، ما لبثوا أن أخذوا طريقهم، معتقلين سياسيين يساريين، إلى سجون الدكتاتورية وأقبيتها، سنين طويلة قبل أن يمكن لهم ردّ أيّ دين. وحين خرجوا وعملوا، وبات ردّ الدين ممكناً أيّ إمكان، رحل الوالدان.

قضت أمّي عقوداً على شرفة بيتنا تبكي وتنتظر إيابنا وإياب رفاقنا، تلك المرأة الأمّية النبيهة التي كانت تستشعر بقلبها اللحظات التي نخرج فيها لمهمة، كتوزيع بيان مثلاً، ولا تخطئ في تفسير نأمة تصدر عنّا على طريق الخطر، لم تُثننا قطّ عمّا عزمنا عليه. وكانت تُلقم الجارات ألسع الردود وأشدّها فخاراً حين يستهجنّ أمامها ذكاء أولادها الذي قادهم إلى السجن. ويوم تظاهرت أمّهات المعتقلين أمام قصر الأسد الأب مطالباتٍ بأبنائهن، كانت في المقدمة، وكان كلّ معتقل ابناً لها مثلنا، كما شهدت سيّدات كثيرات شاركن في ذلك التظاهر.

ها أنا أُمضي سنيّ عمري في صفوف البرجوازية الصغيرة الهامشية (طالب، معتقل، مترجم، كاتب)، وديدن حياتي وتوقها الذي لا يخمد أن أمارس ما تعلّمته من تلك المرأة (وذلك الرجل)، ومن انتسابي الفكري حبّاً لطبقتهما ولكلّ من يحبّ طبقتهما وفكرها (الذي أزعم أنني أحسنت الاطلاع عليه كما على نقده).

لست من الطبقة العاملة ولا من ممثليها، لكنّ مسيرة حياتي بأكملها، بكلّ ما فيها من لحظات درامية حاسمة، ورغم أنف من باتوا يستهجنون مثل هذه اللغة أو يستحون منها، هي محاولة لإثبات أنّ الثقافة لدى برجوازي صغير هامشي يُعوَّل عليها، ما دامت مخلصة لـ”التعّيْبَة” الذين يأكلون من عرق جبينهم، وما دامت تستحي أمامهم وحدهم، وتؤمن أنّ للثقافة والمعرفة ثمناً يجب أن يُدفَع لا أن يُقبَض فحسب.

حياتي بأكملها، وبجميع تقلّباتها، تستمدّ معناها من محاولتي أن أكون ابن أمّي (وأبي) حدّ الاستشهاد، وحدّ محاولةٍ لا تكلّ ولا تهدأ لفهم وممارسة كلّ ما يمكن أن يساهم، من قريب أو بعيد، في تفتّح طبقتهما وتحررها، هنا، ومن حولنا، وفي كلّ مكان.

شامة ثديك العرقان رايتي الثابتة في عالمٍ قُلَّب

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان

أقرأ أيضًا

IMG-20260321-WA0035
عيد الأم.. حكاية لا تختصرها مناسبة
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب
فنان الكاريكاتير سعد حاجو
فنان الكاريكاتير سعد حاجو يكتب: أمي.. فدوى قوطرش
IMG-20260320-WA0000
الموسيقى والسمك المملح واللبس الجديد.. تقاطعات بين عيدي الأحفاد والأجداد