على أطراف أصابعه يقف العالم في انتظار ما ستسفر عنه مفاوضات الجانبين الإسرائيلي/الإيراني، حيث يلتقي الفريقان على أرض باكستان المحايدة، ويطمح كل طرف إلى تحقيق أهداف لم تتمكن الطائرات والصواريخ من بلوغها.
تشهد المنطقة واحدة من أكثر اللحظات توترًا وتعقيدًا، مع تصاعد التصريحات المنسوبة إلى مجتبى خامنئي، والتي تعكس انتقال الخطاب الإيراني من مستوى الردع التقليدي إلى مستوى استعراض القوة المباشر، سواء عبر دعم حزب الله أو من خلال التلويح بإعادة تشكيل قواعد السيطرة على مضيق هرمز بالتنسيق مع سلطنة عُمان.
هذه التصريحات، سواء كانت دقيقة بالكامل أو تحمل قدرًا من المبالغة الإعلامية، تكشف عن استراتيجية إيرانية تقوم على توظيف الجغرافيا كورقة ضغط قصوى. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حيوي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأي حديث عن تقييده أو فرض شروط مالية عليه ينعكس فورًا على الأسواق، وهو ما يفسر الارتفاع السريع في أسعار الطاقة.
وما هو أهم من التصريحات هو توقيتها، حيث تتزامن مع التحضير لمفاوضات مرتقبة في إسلام آباد بين وفدين رفيعي المستوى.
من الجانب الإيراني، يقود المشهد عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف، بينما يمثل الجانب الأمريكي كلٌّ من جي دي فانس وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في مشهد يعكس ثقل الملفات المطروحة.
تدخل إيران هذه المفاوضات وهي تمتلك أوراق ضغط واضحة، تتمثل في النفوذ الإقليمي الممتد عبر حلفائها، والقدرة على تهديد الملاحة الدولية، والمرونة في التصعيد أو التهدئة. كما تسعى إلى إظهار أنها ليست الطرف الذي يبحث عن الحرب، لكنها في الوقت ذاته مستعدة لفرض كلفة باهظة على أي خصم.
في المقابل، لا تقل أوراق الولايات المتحدة وحليفتها قوة، إذ تعتمد على شبكة تحالفات دولية، وقوة عسكرية واقتصادية هائلة، إضافة إلى أدوات العقوبات التي يمكن تشديدها أو تخفيفها وفق مسار التفاوض. كما تسعى واشنطن إلى اختبار مدى جدية طهران في تقديم تنازلات حقيقية، خاصة في الملفات النووية والإقليمية.
المفاوضات المرتقبة لن تكون مجرد نقاش دبلوماسي تقليدي، بل مواجهة محسوبة بين إرادتين، يحاول كل منهما تحسين موقعه قبل الجلوس إلى الطاولة.
التصعيد الإعلامي، والتحركات الميدانية، وحتى تسريبات «الوثائق» ذات البنود المختلفة، كلها أدوات ضمن معركة ما قبل التفاوض.
تتراوح السيناريوهات المحتملة بين تهدئة مشروطة تفتح باب اتفاق مرحلي، أو تصعيد محسوب يهدف إلى فرض شروط أفضل، أو حتى انهيار سريع للمحادثات يعيد المنطقة إلى مربع التوتر المفتوح.
المؤكد أن ما يجري الآن ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
في النهاية، ستحدد قدرة كل طرف على موازنة القوة بالمرونة شكل المرحلة المقبلة؛ فهل تنتصر لغة المصالح، أم تستمر لعبة حافة الهاوية؟