أثار قرار زيادة أسعار الوقود في مصر حالة من الجدل في الأوساط الاقتصادية، خاصة مع تزامنه مع التوترات الإقليمية وتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما تبعه من تقلبات في أسعار النفط العالمية.
تراجع أسعار النفط عالمياً وقرار رفع البنزين
في هذا السياق، أوضح الدكتور محمد أبو نار، الخبير الاقتصادي، أن النفط شهد تراجعاً مفاجئاً عالمياً أمس، إلا أن الحكومة المصرية أصدرت بعدها بساعات قراراً برفع سعر البنزين بنسبة 3 جنيه، وبدأ تطبيق القرار من فجر اليوم التالي.
وأكد أبو نار أن سبب انخفاض أسعار النفط يعود إلى صدمة الأوضاع الجيوسياسية المرتبطة بالحرب القائمة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، مشيراً إلى أن الأسواق العالمية دائماً ما تتأثر بمثل هذه الصدمات العسكرية أو السياسية أو التجارية؛ حيث ينعكس ذلك على أسعار النفط والأسهم والذهب والعملات الرقمية.
انعكاس الأزمة الجيوسياسية على الأسواق المصرية
أشار الخبير إلى أن التوترات الإقليمية أدت إلى تغيرات في الأسواق المالية العالمية، ما انعكس على مصر بارتفاع الطلب على أدوات الدين العام وشراء أذون الخزانة؛ مما ساهم في تخفيف الضغط على الجنيه المصري وتحسن سعر الصرف من مستويات 53 إلى نحو من 51 إلي 52 جنيه للدولار.
تقييم لجنة إدارة الأزمات
وقال أبو نار، إن لجنة إدارة الأزمات المصرية كانت قد عقدت اجتماعها قبل صدور القرار، حيث وضعت عدة سيناريوهات للتعامل مع الأزمة، منها ضبط الإنفاق العام وترشيد استهلاك الكهرباء وحظر استيراد السلع الترفيهية ورفع سعر البنزين، الذي كان مقرراً تنفيزة في يناير المقبل.
وأضاف أن المراقبين انقسموا حول استعجال القرار، خاصة مع تراجع أسعار النفط من 120 إلى نحو 88 دولار للبرميل؛ معتبرين أن الانتظار لبضعة أيام كان يمكن أن يقلل الأثر التضخمي على الأسواق المحلية.
تأثير القرار على التضخم والأسعار
أكد أبو نار أن رفع أسعار البنزين سيؤدي مباشرة إلى زيادة أسعار السلع المشتقة مثل السولار والنقل والخدمات؛ مضيفاً أن التضخم في فبراير ارتفع بالفعل بنسبة 1.9% من 12.7% إلى 13.4% قبل تأثير الحرب، وبالتالي فإن تطبيق القرار في مارس سيزيد من الضغط على المواطنين ويؤثر على الأسعار في دورة تضخمية جديدة.
البدائل الممكنة لرفع أسعار الوقود
أشار أبو نار إلى أن الحكومة كان لديها عدة خيارات بديلة لتخفيف الصدمة الاقتصادية كالانتظار لتقييم الأوضاع الإقليمية قبل إصدار القرار والاعتماد على المخزون الاستراتيجي للوقود لتغطية الاحتياجات دون رفع فوري للأسعار مع التدرج في رفع الأسعار لتقليل أثر التضخم على السلع والخدمات وتأجيل أو تعديل القرار لاحقاً إذا انتهت الأزمة بسرعة، لتجنب تأثيرات سلبية على الاقتصاد والمواطنين.
وأكد أن هذه البدائل كانت ستساعد على حماية المواطنين من الضغوط التضخمية الناتجة عن رفع أسعار الطاقة المفاجئ.
رفع أسعار الوقود قرار متسرع
كما قال وائل النحاس، الخبير الاقتصادي في السياق ذاته، إن قرار رفع أسعار الوقود في هذا التوقيت كان متسرعاً، وكان من الأفضل أن تنتظر الحكومة حتى تتضح اتجاهات أسعار النفط عالمياً قبل اتخاذ خطوة قد تدفع الأسواق إلى موجة تضخمية جديدة.
وأوضح النحاس أن أسعار النفط شهدت قفزة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفع سعر البرميل من مستويات السبعينات إلى ما يقارب 100 دولار، لكنه أشار إلى أن الأسعار عادت للتراجع سريعاً من نحو 115 دولاراً إلى قربة 90 دولاراً للبرميل، وهو ما كان يستدعي التريث قبل اتخاذ قرار زيادة الأسعار.
وأضاف أن الحكومة كان يمكنها الاستفادة من المخزون الاستراتيجي من الوقود أو الانتظار لفترة قصيرة لمراقبة استقرار الأسعار العالمية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على أسواق الطاقة بسبب التوترات الجيوسياسية.
موجة تضخم متوقعة في الأسواق
وأشار النحاس إلى أن زيادة أسعار الوقود ستنعكس بشكل مباشر على تكلفة النقل والإنتاج، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات في السوق المحلي.
وأوضح أن تكلفة نقل المحاصيل الزراعية من المحافظات إلى الأسواق الرئيسية سترتفع بشكل ملحوظ، خاصة مع دخول موسم توريد العديد من الحاصلات الزراعية، ما قد يدفع أسعار الخضروات والسلع الغذائية إلى الزيادة.
كما توقع أن يدخل الاقتصاد في حالة ركود تضخمي، وهي حالة ترتفع فيها الأسعار بينما تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يضعف حركة البيع والشراء في الأسواق.
تأثيرات تمتد إلى قطاعات متعددة
وأضاف أن تأثير ارتفاع الوقود لن يقتصر على أسعار الغذاء فقط، بل سيمتد إلى قطاعات التعليم والصحة والنقل، إلى جانب الصناعات التي تعتمد على الطاقة في عمليات الإنتاج.
وأشار كذلك إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والنقل البحري قد يؤدي إلى زيادة أسعار الواردات الأساسية مثل القمح، ما يزيد الضغوط على الموازنة العامة للدولة.
سبب هذا القرار
وعن أسباب القرار، أوضح النحاس أن الزيادة ترتبط جزئياً بارتفاع أسعار النفط عالمياً، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن سعر الصرف، لكنه شدد على أن توقيت القرار لم يكن مناسباً في ظل التقلبات السريعة في الأسواق العالمية.
وقال إن الحكومة كان ينبغي أن تنتظر حتى يتضح ما إذا كانت أسعار النفط تستقر عند مستويات مرتفعة أم تتراجع مع تراجع حدة التوترات في المنطقة.
مرحلة اقتصادية صعبة
وحذر النحاس من أن الاقتصاد المصري قد يواجه ضغوطاً إضافية خلال الفترة المقبلة نتيجة التطورات الجيوسياسية العالمية، والتي قد تؤثر على مصادر هامة للعملة الأجنبية مثل السياحة والصادرات وتحويلات العاملين في الخارج.
وأضاف أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع الاقتصاد إلى مرحلة أكثر صعوبة إذا لم يتم التعامل معها بسياسات اقتصادية أكثر توازناً خلال الفترة المقبلة.