يعد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أحد أكثر الرؤساء حبا للقراءة.
وهو ما كان واضحا في أحاديثه وكتاباته، وما تناقله المؤرخون عنه. حيث قيل أنه كان قارئا نهما منذ صغره، وكانت مكتبته شاهدة على حبه للقراءة.
كان عبدالناصر يقرأ في التاريخ والسياسة والفلسفة والأدب وكتب السيرة.
فقرأ عن الثورة الفرنسية، وفولتير وروسو، ونابليون بونابرت والإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر وغاندي.
وقد تأثر بما قرأ بالدرجة التي جعلته يشارك في مسرحية “يوليوس قيصر” للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير في دور البطل خلال المرحلة الثانوية. كما كتب مقالا بعنوان “فولتير رجل الحرية”، بينما كان لا يزال في مرحلة التعليم الأساسي.
دخول الكلية الحربية جعل قراءات ناصر تأخذ طابعًا أكثر ارتباطًا بالعسكرية والاستراتيجية.
واهتم بصورة أكبر بالتاريخ والثورات والحروب وسير القادة والفكر السياسي.
واهتم بقراءة موضوعات عن فلسطين وسوريا، وحملات نابليون، ومصطفى كمال أتاتورك، ولورنس العرب، والحرب العالمية الأولى والاستراتيجية البريطانية. كما قرأ عن قادة مثل بسمارك وغاريبالدي وتشرشل.
وشكَّلت القراءة وجدان عبدالناصر سياسيا، خصوصا فيما يتعلق بالثورات.
ونُقل عنه أنه قال في نقاش حول مصير الملك فاروق: “اقرأوا (قصة مدينتين)، الدم سيأتي بمزيد من الدم”. في إشارة إلى رواية شارلز ديكنز.
وأكد مرة أخرى في حديث له أنه تعلم من هذه الرواية كيف تكون الثورة بيضاء.
وبحسب شهادة الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، لم تكن القراءة عند عبدالناصر مجرد هواية شخصية. فقد كان يوجه زملاءه في مجلس قيادة الثورة إلى قراءة بعض الكتب أو إرسال ملخصات لها، وكانت بعض الكتب تترك أثرًا واضحًا في طريقة تفكيره.
ووفقا للمقربين من ناصر، فإن الاديب الراحل توفيق الحكيم كانت له مكانة خاصة لديه،،وكانت “عودة الروح” أحد أكثر الروايات تأثيرا في عبدالناصر، حتى أن النسخة التي كانت في مكتبته الشخصية كانت تحمل علامات بخط يده تحت بعض العبارات، خصوصا تلك التي تتحدث عن الشعب المصري وحاجته إلى قائد يجمعه ويوجهه.
ولهذا ارتبط الكتاب بتكوين عبدالناصر فكريًا.
كما أنه أهدى كتابه “فلسفة الثورة” إلى توفيق الحكيم. وكتب إهداء للحكيم بخط يده في 28 مايو 1954، قال فيها: “إلى باعث الأدب الأستاذ توفيق الحكيم مطالبًا بعودة الروح مرة أخرى بعد الثورة”.

يقول الكاتب الصحفي جمال فهمي لـ”القصة” إن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان أكثر الرؤساء المصريين قراءة وثقافة، ويستحق لقب “الرئيس المثقف” عن جدارة.
ويضيف فهمي أن قراءات ناصر ساهمت بشكل كبير في صنع رؤيته في حكم البلاد.
موضحا أن ناصر بنفسه قال إن هناك روايات أثرت فيه خلال شبابه، ما يدلل على أنه كان يقرأ منذ صغره.
ويرى فهمي أن النقطة الأهم أن ناصر لم يتوقف عن القراءة خلال فترة حكمه، حيث كان حريصا على تثقيف نفسه، والاطلاع على الكتب التاريخية والسياسية والاستراتيجية وكذلك كان يقرأ في الأدب والشعر.
كما قرأ كثيرا في الاقتصاد، وهو ما قاله ناصر نفسه لرغبته في معرفة معنى الاستثمار الأجنبي، الذي كان يتزايد حديث رجال الاقتصاد عنه خلال فترة حكمه.
ويشير فهمي إلى أن الخبير الاقتصادي الراحل الدكتور إسماعيل صبري عبدالله أكد له في جلسة شخصية أن ناصر لم يكف عن القراءة والتعلم واكتساب المعارف حتى آخر أيامه. وهو نفس ما أكده المفكر الكبير الراحل محمود أمين العالم، الذي التقى ناصر عدة مرات واستخدم نفس التعبير عنه.
ويتابع فهمي: “إسماعيل صبري حكى لي أن ناصر طلب لقائه بصحبة فؤاد مرسي، وكانا قامتان هائلتان في الاقتصاد، وقضى معهما ساعات طوال، وتحدثوا في أمور كثيرة حول حرب الاستنزاف وما بعدها.
وكان مثارًا في تلك الآونة أنه لابد من تحوُّل الاقتصاد المصري لاقتصاد حرب، فكان يتناقش معهما مناقشة العارف والواعي بالأمور”.
ويردف: “الدكتور فؤاد مرسي قال إن ناصر سألهما عن أبرز الكتب في الاقتصاد.
وكانت المفاجأة أن الرئيس الراحل قرأ كتابا أوروبيا حديثا في الاقتصاد، سمع الاثنين عنه فقط ولم يكن قرأه أي منهما وقتها”.
ويؤكد فهمي أن الراحل خالد جمال عبدالناصر عرض عليه بعض الكتب التي كان يقرأها الرئيس الراحل، وكانت أغلب قراءاته باللعة الإنجليزية. موضحا: “من بين ما رأيت مجموعة مختارات ماو تسي تونج، كذلك مختارات لينين بالإنجليزية، وكان ناصر قد قرأها وكتب تعليقات على بعض الصفحات بها، ووضع إشارات على بعض النقاط وهوامش بخط يده”.
ويلفت فهمي إلى أن الاستعارات الخاصة بناصر في مكتبة الكلية الحربية أوضحت أنه كان متنوعا في القراءة.
حيث قرأ “عن الحرب” لكارل كلاوزفيتز، وروايات متنوعة بين العربية والأجنبية، وبعض الروايات لنجيب محفوظ وكتب لطه حسين.
ويختتم فهمي بأن ثقافة ناصر تخطت القراءة إلى الموسيقى. مؤكدا: “ناصر كان من أشد متابعي أم كلثوم، ليس بشكل شعبي، لكنه كان متذوقا لفنها، وكان أيضا يستمع للكلاسيكيات الراقية”.