لم يكن اقتراح النائبة أميرة صابر، المتعلق بتأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بها بعد الوفاة، يستحق كل هذا الهجوم الهستيري، ولا حفلات التقريع والتهكم والسخرية الجماعية التي أُقيمت على جثته، بقدر ما كان يستحق — لو كنا في مناخ طبيعي — نقاشًا هادئًا، ودراسة قانونية، وحوارًا دينيًا يسبق الضحك ويؤجل السخرية.
لكن المصريين لم يضحكوا عبثًا، بل ضحكوا من فرط ما يجري معهم. تحسسوا جلودهم، لا خفة دم، بل خوفًا حقيقيًا، بعد أن أتت الحكومات المتعاقبة، بمساعدة مجالس نيابية لا تُجيد سوى الرفع بالإجماع، على جيوبهم حتى آخر تعريفة. فصار منطقيًا أن يظن المواطن — وأكثر الظن ليس بإثم — أن المرحلة القادمة هي تفريغ جيوب الأكفان، التي هي بلا جيوب!
وكدليل إضافي على سلامة هذا الظن، لم يجف حبر قلم أحد نواب مجلس الشيوخ، حتى خرج علينا باقتراح يطالب فيه بتغريم المواطنين ثلاثين جنيهًا تُضاف إلى فواتير الكهرباء، تلك الفواتير التي صارت بيانًا ضريبيًا متنكرًا في زي خدمة، وذلك من أجل مكافحة كلاب الشوارع، وكأن المواطن هو من أطلقها، أو ربّاها، أو منحها الجنسية.
وميراث المصريين مع الحكومات المتعاقبة طويل — لا سيما حكومة الدكتور مدبولي — طويل إلى درجة تجعل السخرية فعل دفاع شرعي عن النفس.
وهذه الحكومة — كغيرها — لا ترى في جيوب الناس مجرد جيوب، بل حقول نفط لا تنضب، تقتات منها الأجور والمشروعات والديون، في الداخل والخارج، وقصة الضريبة على أجهزة الهواتف المحمولة شاهد لم يُدفن بعد.
ومن موقعي هذا، ودعمًا خالصًا للحكومة ونوابها، وبعد أن قدحت زناد فكري وأطلقت العنان لقريحتي خدمة لحكومتي، أتقدم باقتراح يُعلي من وطنيتي لسداد ديون مصر، استلهامًا من اقتراح النائبة الموقرة.
فبما أن الديون عبء على جميع المواطنين، لا على النظام وحده، فمن العدل أن تُقسَّم على الرؤوس، بل وعلى الأجساد. ويخرج علينا مجلس النواب بقانون تاريخي يُلزِم المواطن، عند وفاته، بالتبرع بعدد من أعضائه بما يعادل نصيبه من الدين العام. فيأخذ الدائن قلبه إن كان حيًّا يومًا، أو كبده إن صمد، أو كليته إن تبقّت، أو الاثنتين معًا إن لزم الأمر. ولا مانع من قوقعة العين، أو المخ، أو ساق أو ذراع… فالوطن أولى.
وهكذا يتحول الجسد المصري، بكل ما فيه من احتياطي استراتيجي، إلى ضمانة سيادية، ونصير دولةً لا تبيع أرضًا، ولا ترهن قناة السويس، طالما أن لدينا قناة فالوب، وما زال في الأجساد ما يُستخرج.
ربما يسخر الناس يومًا أو شهرًا كاملًا، لكن المصري طيّع بطبعه، ويُلبي مطالب حكومته بعد أن يهدئ من روعه؛ فهي كلما استدعته وجدته في مظاهرة، أو في انتخابات، وحتى في مدرجات الملاعب!
ولا حول ولا قوة إلا بالله!
حزن الختام:
خدوا الكراسي والشماسي
والصباح ويا التماسي
والحواشي والمتون
حتى أغصان الزتون
والرياضة والفنون
والأراضي والمراسي
والإله رع وآمون
وابن سينا وابن مينا
حتى بياع اللمون
والشوارع والنواصي
والبيوت أو أي مطرح
بس خلولنا الأمل
شباك بيفتح