تحول طريق العمل اليومي إلى كابوس متكرر لعشرات المعلمين في محافظات الصعيد، بعد أن شهدت محافظة سوهاج حادث انقلاب أتوبيس كان يقل أكثر من 10 معلمين خلال توجههم إلى مدارسهم في الصباح الباكر، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات وحالات وفاة.
الحادث أعاد إلى الواجهة مجددًا قضية البُعد الجغرافي في تعيين المعلمين، وما يترتب عليه من معاناة يومية لمئات المدرسين الذين يقطعون عشرات الكيلومترات يوميًا للوصول إلى مدارسهم، وسط طرق وعرة ومواصلات غير آمنة.
تقول إحدى المعلمات، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، والتي تعمل بإحدى مدارس محافظة سوهاج: “أنا معلمه من جزيرة شندويل إدارة سوهاج التعليمية وبشتغل في البلينا، بخرج من البيت قبل الفجر علشان أوصل المدرسة في ميعاد الطابور، بقطع مسافة أكتر من 60 كيلو يوميًا، والطريق أغلبه غير ممهد، خصوصًا وقت المطر أو الضباب كل مرة بركب فيها الميكروباص بحس إن حياتي ممكن تنتهي في لحظة”.
هذه المعاناة ليست حالة فردية، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بآليات التعيين التي تتم عبر المسابقات المركزية دون مراعاة البعد الجغرافي أو الظروف المعيشية للمعلمين، مما يجبر كثيرين على السفر يوميًا من محافظة إلى أخرى أو الإقامة بعيدًا عن أسرهم لأيام متتالية.
ورغم محاولات موقع القصة للتواصل مع الدكتور محمد سيد، وكيل وزارة التربية والتعليم في سوهاج، للحصول على تعليق رسمي حول الحادث وأسباب استمرار أزمة البعد الجغرافي في توزيع المعلمين، فإنه أكد أن هناك تعليمات صادرة بعدم التصريح للإعلام أو الإدلاء بأي بيانات إلا من خلال ديوان عام الوزارة بالقاهرة.
هذا الموقف أثار تساؤلات بين المعلمين والمتابعين حول أسباب غياب الشفافية في التعامل مع مثل هذه القضايا، خاصة أن الحوادث المتكررة على الطرق أصبحت تمس حياة المعلمين بشكل مباشر، وتستدعي موقفًا واضحًا من الجهات المعنية.
ويؤكد خبراء التعليم، أن المشكلة لا تقتصر على المشقة الجسدية فحسب، بل تمتد إلى تأثيرها النفسي والاجتماعي، إذ يعيش المعلمون تحت ضغط دائم، مما ينعكس على أدائهم داخل الفصول، كما أن تكرار حوادث الطرق التي يتعرض لها المعلمون يكشف عن غياب حلول جذرية تضمن سلامتهم اليومية.
يقول علي عثمان، والد إحدى المعلمات داخل محافظة سوهاج والمتضررين من التوزيع الجغرافي مستغيثًا بوزير التعليم: “إحنا مطلعين بناتنا خارج إدارة سوهاج بالرغم إن إدارتنا بها مئات من مدرسين الحصة لسد العجز، وفيه بعض من بناتنا رجعوا الإدارة منهم بسبب ظروف مرضية، ومنهم بسبب تأشيرات خدمية وعاجلة لظروف الانتخابات”.
وأردف: “لذا أناشد الأب والإنسان السيد الوزير ، على أن يعاد توزيع أولادنا وخصوصًا بناتنا اللي إدارتهم التابعين ليها وخصوصًا لأننا على أبواب تعيين المرحلة الخامسة، وهذا مطلب إنساني”.
كسور في الحوض والجمجمة “ووفاة أحدهم”
وقال أحد المعلمين الناجين من الحادث في رسالة متداولة بين زملائه: “يا جماعة، صحابنا كسور في الحوض وكسور في الجمجمة، وواحد منهم أتوفى، وأغلبهم متبهدل، مفيش من 15 غير اتنين يعتبروا سلام، إصابات خفيفة”، في إشارة إلى حجم الكارثة التي لحقت بزملائهم خلال توجههم لأداء عملهم.
لا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية ما يحدث
من جانبها، ترى الدكتورة جيهان البيومي، عضو لجنة التعليم السابقة بمجلس النواب، أن أزمة البُعد الجغرافي في تعيين المعلمين لا يمكن اختزالها في تحميل الدولة وحدها مسؤولية ما يحدث، مشيرة إلى أن كثيرًا من المعلمين المتضررين تقدموا للوظائف وهم على علم بموقع المدارس وظروفها المكانية.
وأوضحت أن المعلم حين يتقدم لوظيفة في محافظة بعيدة يكون مدركًا حجم التكاليف وصعوبة الانتقال، وبالتالي لا يجوز بعد التعيين المطالبة بنقل جماعي أو اعتبار البُعد الجغرافي خطأ إداري من الدولة.
وأكدت أن حصر التعيينات على أبناء المحافظات يُعد أمرًا “غير دستوري”، لأن الوظائف العامة متاحة لجميع المواطنين متى انطبقت عليهم الشروط.
وفيما يتعلق بمطالب بعض المعلمين بتوفير سكن في المناطق النائية، قالت البيومي، إن هناك وحدات متاحة أحيانًا، لكن كثيرين يرفضون الإقامة بها، مضيفة أن الوضع الاقتصادي الحالي لا يسمح بتحميل الدولة مزيدًا من الأعباء.
واختتمت حديثها بالتأكيد، أن تحسين شبكة الطرق والمواصلات هو مسؤولية عامة للدولة، لأن حوادث الطرق لا تخص المعلمين وحدهم، بل تمس سلامة كل المواطنين.
جرس إنذار حقيقي يدق باب الوزارة
حوادث الطرق لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى جرس إنذار حقيقي يدق باب وزارة التربية والتعليم، التي باتت مطالبة بإعادة النظر في نظم التعيين والنقل، وضمان أن لا تتحول رحلة المعلم اليومية إلى مخاطرة تهدد حياته.
ويرى تربويون، أن الحلول الممكنة لهذه الأزمة تبدأ من إعادة النظر في نظام التوزيع الجغرافي للمعلمين، وتفعيل آليات النقل الداخلي داخل المحافظة الواحدة، بالإضافة إلى دراسة فكرة توفير سكن وظيفي مؤقت في المناطق النائية أو وسائل نقل آمنة ومنظمة تقلل من احتمالية الحوادث اليومية.
فحماية المعلم ليست رفاهية، بل ضرورة لضمان بقاء العملية التعليمية مستقرة وآمنة.