في ظل الأوضاع القاسية التي يعيشها قطاع غزة، خاصة مع دخول فصل الشتاء وتعنت الاحتلال الإسرائيلي في إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع؛ يشهد القطاع الطبي في غزة حالة من التردي والانهيار بعد عامين من العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي استهدف الأخضر واليابس، ولم يسلم القطاع الطبي من هذه الانتهاكات، إذ استهدف الاحتلال مستشفيات ولجانًا إنسانية وفرقا طبية أجنبية وعربية، ومنظمات أممية وغيرها، بجانب نقص الوقود والمعدات الطبية.
مستشفيات غزة
في هذا الصدد، أكدت الدكتورة جوليت الغول طبيبة تعمل في “مستشفى مبارك” من قلب قطاع غزة، أن القطاع لم يشهد أي تحسن يذكر في توفر الوقود، سواء خلال الحرب أو ما بعدها، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة.
وأوضحت الدكتورة الغول في تصريحات لـ”القصة”، أن الوقود يتم توفيره من خلال المؤسسات والوكالة لوزارة الصحة، مشيرة إلى أن تشغيل المولدات يتم بالحد الأقصى، أي تشغيل المولدات الصغيرة و استقصاء المولدات الكبيرة، ويقتصر الاستخدام على الإنارة فقط، دون تشغيل المكيفات أو التدفئة المركزية، مؤكدة أن المستشفيات لا تستطيع تشغيل المراوح أو التكييف أو الأقراص الكهربائية، وأن التشغيل يتم فقط للأغراض الطبية الحيوية.
وحول مستشفى مبارك، أوضحت الدكتورة جوليت أن المستشفى يتألف من أربع طوابق: الطابق الأول يضم طوارئ الأطفال وطوارئ النساء والولادة وقسم القيصرية وقسم العمليات و كشك الولادة، بينما يضم الجزء الأخير من المستشفى أقسام الباطنة للأطفال والحضانات الداخلية والخارجية والعناية المركزية للأطفال، والطابق الأخير مخصص للإدارات،
كما استطردت أن هناك العديد من الحالات التي تأخرت في التحويل بسبب وجود سيارة إسعاف واحدة فقط لنقل الحالات الطارئة، مشيرة إلى أن هناك حالات تستشهد خلال انتظارها سيارة الإسعاف، وأنه تقريبًا يوميًا منذ بداية المنخفض الجوي، يصل إلى المستشفى طفل متجمد متوفي.
وأشارت الدكتورة جوليت إلى حالة طفل عمره 25 يومًا توفي بين أيديها، نتيجة تجمده من البرد، مؤكدة أن طواقم المستشفيات خلال فترة الحرب كانت مسيطرة على قصة الوقود داخل الأقسام، رغم وجود انقطاع للكهرباء أحيانًا لا يتعدى لحظات، وخلالها كان يتم استخدام نظام الأنبوباج لتوفير التنفس للأطفال حديثي الولادة عن طريق منفاخ يدوي.
وأكدت أن حضانات الأطفال والعناية المركزية هي أكثر الأماكن خطورة، حيث أن توقف الوقود لدقيقة واحدة يؤدي إلى توقف الأجهزة الحرجة مثل الدفيات، الإنارة، التكييف، أجهزة التنفس، الأكسجين، أجهزة الشفط، ما يؤدي إلى شلل الحركة الكامل داخل الأقسام.
وفيما يخص سيارات الإسعاف، أوضحت الدكتورة جوليت أن سيارات الإسعاف التابعة للمستشفى لا تنقل الحالات من خارج المستشفى، بل تستخدم لتحويل الحالات من المستشفى إلى مستشفى آخر، حسب توافر الحالات، حيث يمكن نقل ثلاث حالات داخل سيارة إسعاف واحدة لتوفير البنزين، وأكدت أن الوضع لم يتغير حتى الوقت الحالي، وما زال كما هو في فترة الحرب.
وبالنسبة للبرد، نوهت إلى أن عدد البطاطين الذي تم توفيره جيد، لكنه لا يوفر الدفء الكامل للمرضى لأنها خفيفة جدًا ولا يتجاوز وزنها 2 كيلوغرام، ويتم تسليم كل مريض بطانية واحدة فقط بعد السماح له بالدخول.
وأكملت أن أكثر الأمراض التي تأتي بها الأطفال خلال موجة البرد هي الالتهابات الرئوية، حيث تشكل حوالي 90% من حالات الأطفال، مشيرةً إلى أن السبب الثاني هو استخدام النار والخشب داخل الخيام والمنازل المتضررة، وهو أمر مؤذي جدًا للشعب الهوائية للأطفال والكبار على حد سواء، مؤكدة أن هذا أكثر الأمراض انتشارًا في هذه الفترة ويشكل ضغطًا كبيرًا على أقسام العناية.
وشددت على أن الاستهدافات والقصف لم يتوقف تمامًا، لكنها خفت كثيرًا بعد الهدنة. مشيرة إلى أن المسنين يتم استقبالهم في المبنى الآخر، مبنى الجراحة “الياسين”، حيث توجد أقسام الباطنة التي تستقبل مرضى السكر، الضغط، والأمراض المزمنة، وغالبًا تصل بعض الحالات بدرجة حرارة منخفضة تصل إلى 34 وأقل، وأحيانًا تقترب من الوفاة.
وذكرت أن المستشفى يستقبل يوميًا حالات غرقانة وبردانة من المخيمات، غالبًا الأطفال الرضع، سواء غرقانين أو متجمدين. مؤكدة أن الإمكانيات الحالية داخل المستشفى مقارنة بحجم الحاجة غير كافية، إذ يستقبل يوميًا ما بين 500 و600 حالة أطفال في قسم العناية المركزية، مشيرةً إلى أن أكبر تحدٍ لهم هو غياب التدفئة والتبريد المركزي، سواء في الصيف أو الشتاء، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان سلامة المرضى.
وأشارت الدكتورة جوليت إلى وجود نقص واضح في الأكسجين، كما أن الحضانات الحالية لاستقبال الأطفال غير كافية لعدد الحالات، وأن التدفئة المركزية غير موجودة في الحضانات الخارجية، مضيفة أن أكثر ما يخافون منه هو إنهاك الطاقم الطبي، حيث يعملون منذ ما قبل الحرب وخلالها وما بعدها بنظام 24 ساعة شفت واحد، والآن يعملون بشفتين، مع يومي راحة فقط، دون إمكانية الحصول على الإجازات السنوية أو المرضية أو حتى أيام العيد، مشيرة إلى أن نقص الوقود لا يهدد المستشفى فقط، بل حياتهم ككل.
وأكدت أيضًا عدم وجود أي وسيلة تدفئة داخل الخيام سوى الخشب، ما يشكل خطراً كبيرًا من الحرائق، مضيفة أن لديها زميلًا تعرض لحروق من الدرجة الثالثة بنسبة أكثر من 50% نتيجة محاولة تدفئة الخيمة لأولاده، وهو متواجد حاليًا في العناية المركزية.
واختتمت الدكتورة جوليت حديثه قائلة، إن سيارات النقل داخل غزة غير متوفرة، ولا توجد وسائل نقل سوى الحافلات الحكومية التي تنقل الموظفين فقط إلى المستشفيات، مؤكدة أن هذا الوضع يعقد القدرة على الاستجابة السريعة للحالات الطارئة.