في أيام قليلة، تحولت قصة رجل الأعمال محمد الخشن، مالك شركة إيفر جرو للأسمدة، من تسريبات محدودة إلى واحدة من أبرز القضايا الاقتصادية التي تهز الثقة في تصور كثيرين حول آلية منح الائتمان للشركات الكبرى في مصر، بعد تداول معلومات عن مديونية قُدرت بنحو 40 مليار جنيه لصالح عشرات البنوك، ما فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مصير هذه الأموال، ومدى تأثيرها على القطاع المصرفي وأموال المودعين.
لكن مع تصاعد القلق، دخل البنك المركزي المصري ببيان رسمي حاسم، في محاولة لاحتواء الارتباك، ووضع إطار مؤسسي لقضية بدا أن عناوينها الإعلامية تُصورها كـ“انهيار”، بينما يعكس واقعها آلية إعادة هيكلة منظمة لمديونية قد تُعد الأكبر في القطاع المصرفي المصري.
بداية القصة: من 11.8 مليار إلى 40 مليار
انطلقت الحكاية من تقرير مالي أوضح أن شركة إيفر جرو للأسمدة، التي يترأسها محمد الخشن والمعروفة بـ“حوت الأسمدة”، كانت مديونة في ديسمبر 2021 بمقدار 11.8 مليار جنيه -بحسب بيان الشركة- توزع بين 6 مليارات جنيه للبنوك المصرية، وحوالي 425 مليون دولار عبر قرض مشترك دولي.
في تلك الفترة، كانت المديونية تُعتبر ضمن الحدود المعقولة بالنسبة لشركة أصولها 62 مليار جنيه، وفق آخر تقييم معلن في أغسطس 2025.
لكن خلال السنوات التالية، طرأت سلسلة من الصدمات الاقتصادية، -حسب ما أوضح بيان الشركة أيضًا- أكثر من مرة في تعديل سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، من مستويات 15.7 جنيه إلى نحو 54 جنيه في مارس 2026، إلى جانب تقلبات في تكلفة الديون الدولارية وارتفاع الفوائد الإجمالية غير المسددة.
نتيجة لذلك، تضخمت المديونية إلى نحو 40 مليار جنيه، لا تعني أن السيولة النقدية الصافية التي حصلت عليها الشركة بلغت هذا الرقم، بل تشمل أصل الدين + الفوائد المركبة + مبالغ مجدولة + فروقات العملة، وهي نقطة حاسمة يتم تجاهلها في كثير من التسريبات المنشورة.
البنوك الدائنة.. تحالف برئاسة البنك الأهلي
بحسب تحريات صحفية، توجد أكثر من 30 بنكًا دائنة لشركة إيفر جرو للأسمدة، مع اختلاف في حجم المديونية لكل بنك، إذ تُشير المصادر إلى أن البنك الأهلي المصري هو أكبر بنك دائن بحصة تتجاوز 6 مليارات جنيه، إلى جانب بنوك كبيرة أخرى مثل الإمارات دبي الوطني وبنك مصر وبنك القاهرة وبنك قناة السويس وبنك التنمية الصناعية والاستثمار العربي.
لم تكن البنوك متحيزة لسماع “شائعات” في فيسبوك، بل كانت في الكواليس تعمل على تشكيل تحالف بنكي منظم لتفريغ مديونية واحدة قد تُعد الأكبر في تاريخ الجهاز المصرفي المصري.
إدارة الأزمة.. خطوات بنكية منظمة
على أرض الواقع، اتخذت البنوك الدائنة سلسلة من الخطوات المنهجية وحدث تصعيد قانوني لتحصيل المديونيات عبر القنوات المدنية والتجارية.
كما تم رهن أو تثبيت ضمانات على أصول إنتاجية كبيرة، من بينها مصانع أسمدة كبرى تُدر آلاف الأطنان شهريًا، وتشمل خطوط إنتاج ومرافق تحميل شحنات تصديرية.
وتم الدخول في مفاوضات لإعادة هيكلة الدين،تشمل جدولة رأس المال العامل، وإعادة تنظيم الشريحة الدولارية، مع تعيين مستشار مالي مستقل لتمثيل الشركة في التفاوض.
هذا المسار يُعد داخل الممارسات التقليدية في إدارة الديون الكبرى، حيث يُفضل تحقيق تخفيف الضرر وتحصيل أقصى قدر من المديونية، مع الحفاظ على كيانات منتجة قادرة على استمرار تشغيل المصانع، ودفع الرواتب، وضخ مبالغ ضخمة في سوق التصدير.
رد الدفاع.. توضيح حول حجم المديونية وضماناتها
من جانبه نفى فريق المحاماة الممثل لرجل الأعمال محمد الخشن صحة الروايات التي تتحدث عن “هروب” أو انهيار كامل، وأكد أن موكله لا يزال موجودًا داخل مصر، وأن البنوك لديها ضمانات كافية مقابل هذه القروض.
المحامي خالد أبو بكر شدد على أن الرقم المتداول (40 مليار جنيه) لا يعكس سيولة حقيقية تم صرفها للشركة، بل يعكس حزمة مديونية مجمعة بعد تضخم الفوائد، وفروقات سعر الصرف، وتأخيرات في السداد، مضيفًا أن الحديث عن “ضياع 40 مليار جنيه من أموال البنوك” مبالغ فيه إعلاميًا، وإن كان يستدعي تدقيقًا في سياسات الإقراض.
بيان البنك المركزي: طمأنة مركزة ورسالة تنظيمية
في ذروة الجدل، أصدر البنك المركزي المصري بيانًا رسميًا أشار فيه إلى “مديونية أحد كبار العملاء”، دون ذكر اسم محمد الخشن صراحة، لكنه أوضح في المضمون أن المديونية المُعاد هيكلتها هي نفسها التي تُتداول في الشارع.
وأكد البيان أن:جميع البنوك العاملة في السوق المصري تلتزم بسياسات ائتمانية صارمة تتوافق مع القواعد الرقابية، وتُطبّق دراسات ائتمانية متعمقة قبل منح أي تسهيلات كبيرة.
القروض الكبيرة تُقدم فقط بعد تقييم شامل لقدرة السداد، مع الحصول على ضمانات تتناسب مع حجم التمويل.
وأضاف أن البنوك تُجري مراجعة وتقييمًا دوريًا لكافة العملاء، وفق أفضل الممارسات الدولية، وتُكون مخصصات مالية لمواجهة أي مخاطر محتملة.
هذه الآليات تضمن الحفاظ الكامل على أموال المودعين، وعدم تأثير الأزمات الائتمانية على استقرار الجهاز المصرفي.
البيان حمل رسالة واضحة: ما يحدث ليس “انفجارًا” غير مسبوق، بل إدارة مهيكلة لأزمة مديونية ضخمة حدثت داخل كيان مالي/صناعي قوي، وتحت إشراف رقابي مباشر.
اتفاق إعادة الهيكلة.. خطوات التسوية
في إطار هذه التحركات، أعلن البنك المركزي أن تحالفًا من البنوك الدائنة نجح في إبرام اتفاق لإعادة هيكلة مديونية العميل، بحيث:يتم استيفاء كافة المستحقات، بما فيها الفوائد، عبر خطة زمنية محددة.
تُحصل ضمانات كافية تغطي كامل المديونية، مع إمكانية تعديل أو تدعيم هذه الضمانات إذا تطلب الأمر.
يُسمح للشركة باستمرار نشاطها، مع خفض الضغط على السيولة، مع الحفاظ على قدرتها على تصدير ما يعادل نحو 120 مليون دولار سنويًا إلى أكثر من 80 دولة.
التفاصيل الصحفية تشير إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يشمل منح شركة إيفر جرو قرضًا جديدًا بقيمة 70 مليون دولار لتمويل رأس المال العامل، مع إمكانية تحويل جزء من المديونية (بين 6 و10 مليارات جنيه) إلى حصص ملكية في رأسمال الشركة، بما يسمح للبنوك بالتحول من دور الدائن إلى دور المساهم المؤسَّس، مع تقليل مخاطر الخسارة.
قوة القطاع المصرفي رسالة ثقة مؤسسية
في ظل هذا السياق، أكد البنك المركزي أن مؤشرات السلامة للجهاز المصرفي لا تزال في مستويات قوية، وأن البنوك قادرة على:الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والهيكلية.
امتصاص الصدمات الناتجة عن تضخم مديونيات كبرى، خاصة إذا كانت مغطاة بضمانات واقعية.الاستمرار في دعم الاقتصاد القومي عبر القروض لشركات الإنتاج والتوريد للأسواق الخارجية.
البنك المركزي وجه تحذيرًا واضحًا من تداول معلومات غير دقيقة قد تؤجج الخوف أو تخلق حالة من “البيعة الشعبية” ضد البنوك، ودعا إلى الاعتماد على المصادر الرسمية عند مناقشة قضايا مالية حساسة.
ما وراء الرقم الصادم.. هل 40 مليار جريمة أم نتيجة؟
رغم صدمة الرقم 40 مليار جنيه، يرى مختصون أن الخط الفاصل لا يُقاس بحجم القرض، بل بثلاثة عناصر رئيسية، قدرة السداد الحقيقية هل الشركة لا تزال تنتج وتصدر وتحقيق إيرادات فعلية؟
كفاءة إدارة الديون، هل كانت هناك مفاوضات وتدابير مبكرة قبل الوصول إلى الحافة؟الضمانات، هل يقابل هذه المديونية أصول إنتاجية وتصديرية قابلة للتصفية أو الاستمرار؟
في حالة إيفر جرو، البيانات تشير إلى أن الشركة ما زالت تحقق مبيعات سنوية تقارب 12 مليار جنيه، منها حصة كبيرة من الصادرات، مع أصول إنتاجية ضخمة تُقدّر بنحو 62 مليار جنيه، وهذا يُضعف من ادعاء أن “البنوك ضاعت 40 مليار جنيه بلا مقابل”.
لكن في المقابل، يُثار سؤال جوهري عن كيفية منح تسهيلات بهذا الحجم لعميل واحد، وما إذا كانت البنوك أخذت في الاعتبار تقلبات سعر الصرف والتقلبات في تكلفة الديون الدولارية، وهي نقطة تفتح بابًا للنقاش حول فرض رقابة أكثر دقة على الإقراض للشركات الكبرى.
بين الشائعة والمؤسسة ما الذي نعرفه بالفعل؟
بين الروايات الشعبية التي تُصور “الاستيلاء على أموال البنوك”، وبين البيان الرسمي الذي يؤكد “إعادة هيكلة مديونية”، تتضح فجوة واسعة بين الخطاب المتداول والهيكلة المؤسسية الحقيقية، هناك مديونية كبيرة حقًا لرجل أعمال بارز، لكنها ليست مفاجأة من العدم، بل تراكمت عبر سنوات من تمويلات وتوسعات في قطاع إنتاج واستيراد الأسمدة.