بين “القدرة” الإيرانية و”الحسابات” الإقليمية، تبرز الجسور كأهداف استراتيجية تتجاوز قيمتها الإنشائية لتصبح رموزاً لكسر العظم، فهل تنهار قواعد الاشتباك التقليدية تحت وطأة الصواريخ؟
في وقت تتصاعد فيه طبول الحرب في المنطقة، لم يعد الصراع مجرد “مناوشات حدودية” أو “حرب وكلاء”، بل انتقل إلى مرحلة “تكسير العظام” عبر استهداف الشرايين اللوجستية الجسور، تلك المنشآت التي شُيدت لربط الشعوب والمدن، باتت اليوم في مرمى النيران، وسط تساؤلات حارقة: هل تقرأ إيران مشهد استهداف جسورها كإعلان حرب شاملة؟ وكيف سيكون شكل “الرد المزلزل” إذا ما قررت طهران نقل المعركة إلى الجانب الآخر من الخليج؟
حول هذه الفرضيات الخطيرة، تواصلت “القصة” مع الدكتور محمد محسن أبو النور، خبير الشؤون الإيرانية ورئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، الذي وضع النقاط على الحروف في تحليل شامل وعميق للمشهد.
إرباك الداخل الإيراني.. “عقد لوجستية” تحت النار
في مستهل حديثه، قال الدكتور محمد محسن أبو النور: “فيما يتعلق باستهداف الجسور الحيوية داخل إيران، يجب النظر إلى هذه الفرضية باعتبارها جزءاً من نمط أوسع في الحروب الحديثة يقوم على ضرب البنية التحتية الحيوية بهدف إرباك الدولة وإضعاف قدرتها على إدارة الداخل، وليس فقط تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة”.
وأوضح أبو النور أن الجسور في الحالة الإيرانية ليست مجرد منشآت خدمية، بقدر ما تمثل عقداً لوجستية تربط بين مراكز الإنتاج والانتشار العسكري، خاصة في بلد واسع جغرافياً مثل إيران.
جريمة حرب وردود فعل “غير تقليدية”
واعتبر رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية أن الإقدام على هذا النوع من الاستهداف على نطاق واسع “سيعني عملياً ارتكاب جريمة حرب؛ لأن الجسور هي منشآت مدنية في الأساس، وهو ما يعني الانتقال إلى مرحلة أكثر حدة من الصراع، لأنه يلامس البنية المدنية بشكل مباشر، وهو ما قد يفتح الباب أمام ردود فعل غير تقليدية”.
معادلة الرد الإيراني.. بين “القدرة” و”الإرادة”
أما فيما يخص احتمالات رد طهران على جسور أو بنية تحتية مماثلة في دول الخليج، شدد أبو النور على ضرورة التمييز بين “القدرة والإرادة”، مؤكداً أن إيران تمتلك بالفعل أدوات متعددة للوصول إلى أهداف حساسة في الإقليم، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو من خلال شبكات الحلفاء.
وأشار إلى أن قرار استخدام هذه الأدوات يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بكلفة التصعيد، واحتمال توسيع نطاق الحرب ليشمل أطرافاً دولية، وهو ما تحاول طهران عادة تجنبه، مضيفاً: “لذلك، فإن الرد الإيراني – إن حدث – قد يكون غير متماثل، أو يتم عبر مسارات غير مباشرة، أو في توقيت مؤجل يحقق عنصر المفاجأة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة”.
أيام الحسم.. ضغط محسوب أم انفجار كامل؟
وعن توقعاته للأيام القادمة، قال الخبير في الشؤون الإيرانية: “يمكن توقع بقاء التصعيد في إطار الضغط المحسوب أكثر من الانفجار الكامل، جميع الأطراف تدرك أن استهداف البنية التحتية الحيوية بشكل متبادل، خصوصاً في منطقة تعتمد اقتصادياً على استقرار النقل والطاقة، قد يؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها”.
وتوقع أبو النور أن نشهد تصعيداً على شكل ضربات محدودة ومدروسة، أو حتى رسائل ردع متبادلة دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.
هامش الخطأ.. المنطقة على الحافة
واختتم الدكتور محمد محسن أبو النور حديثه بالقول: “يبقى العامل الحاسم هو كيفية قراءة كل طرف لنوايا الطرف الآخر، ومدى وجود قنوات خلفية لاحتواء التوتر”، لافتاً إلى أن التجارب السابقة تشير إلى أن المنطقة غالباً ما تقف على حافة التصعيد دون السقوط فيه، لكن هامش الخطأ يظل قائماً، وهو ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية وقابلة للتحول السريع.
الوقوف على الحافة
يبقى السؤال المعلق في فضاء المنطقة: هل تصمد “قنوات الاتصال الخلفية” أمام رغبة الأطراف في فرض معادلات ردع جديدة؟ الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت “حرب الجسور” ستبقى مجرد تهديدات تكتيكية، أم أنها ستكون الفتيل الذي يشعل برميل البارود في الشرق الأوسط، لتتحول الجسور من أدوات للوصل إلى وقود لقطيعة كبرى لا تحمد عقباها.