وأنت تسير في وسط البلد، فضولك قائدك، تتعثر في الشوارع والأزقة ولا تجد لقدميك موطئا، وإذ بعينيك تهبط على باعة وسط البلد.
جولة في وسط البلد
في هذه النظرة هدنة يسيرة تتجاوز الأوراق والأحبار، حيث الروايات القديمة، دواوين الشعر، والمعاجم والمجلدات، بطبعات مزيفة وبربع الثمن!.
في وسط البلد، الباعة لا يقفون في المكان نفسه كل يوم؛ هم يتحولون مع الشارع. صباحًا يبدون كعمّال عاديين خرجوا مبكرًا، يفردون بضاعة صغيرة فوق رصيف واسع بالكاد يسمح بالمرور، ويتعاملون مع الزمن بحذر: عين على الزبون، وعين على رجل الشرطة، وعين ثالثة على الحلم المؤجل. تتغير نبرات أصواتهم مع الشمس؛ يبدأ النداء خافتًا، ثم يعلو، ثم يتحول إلى صمت مفاجئ، كأن الشارع لقّنهم درسًا طويلًا في البقاء دون ضجيج. كل قطعة يبيعونها تحمل قصة انتقال: من مصنع بعيد، إلى يد تاجر، إلى رصيف، إلى حياة شخص لن يعرف أبدًا كيف وصلت إليه.
ومع المساء، يصبح البائع جزءًا من ذاكرة المكان لا مجرد عابر فيه. تختفي العجلة، وتظهر الحكايات القصيرة بين صفقة وأخرى: شكوى من الغلاء، ضحكة سريعة، حنين لزمن كان الزبون فيه يسأل قبل أن يفاصل. في تلك اللحظة، لا يعود الرصيف مجرد مساحة للبيع، بل مساحة تفاوض على الحياة نفسها؛ بين من يريد أن يعيش يومًا إضافيًا بكرامة، ومن يحاول أن يشتري شيئًا يؤجل به خسائره. هكذا تتحول وسط البلد كل ليلة إلى مسرح هادئ، أبطاله باعة يعرفون أن الثبات مستحيل، وأن التحول هو مهنتهم الحقيقية.
في جولتي الأخيرة بشارع قصر النيل أخبرني “عم عبد العزيز” أحد الباعة، يعمل في ذات المكان منذ 18 عاما، أن حركة البيع أصبحت ضعيفة جدًا، وبعد نقله الأخير من على الرصيف مباشرة ضمن الخطة التطويرية للمنطقة وضع فرشته في مدخل مبنى أمام الرصيف الذي اعتاد الوقوف عنده، ولكن لا يعني ذلك أنه لا يزال في أمان من أي قرارت عاجلة لنقله من الشارع بأكمله.
وأكد البائع في أسى وضيق، أن المصريين لم يعودوا يقرأون كما سبق وأن غالبية زبائنه الآن من الأجانب.
وفي شارع الإسعاف في وسط البلد يمكنك أن تجد بائع آخر يعرفه الكثيرون يستهدف بيع الكتب القديمة التى تحمل في صفحاتها ذكريات أشخاص آخرين اقتنوا هذا الكتاب من قبل وربما نسوا بداخل رسالة أو ملاحظة تروي حكاية أخرى غير التي يحكيها الكتاب.
وحينما سألت الشاب عن عمر هذه الفرشة وتاريخها قال: والدي هو صاحبها، وقد توارثنا هذه المهنة عن جدي، وعن والد جدي أيضا، يعني عمرها في عيلتنا يزيد عن خمسين سنة.”
وكان كلامه يحمل الكثير من الحنين والفخر لمهنة أجداده وكأن ذلك الشاب الصغير لايزال يؤمن برسالة هذه المهنة التى هي أيضا مصدر لرزقهم.
ويظل باعة الكتب في وسط البلد شهودا على الكثير من التحولات في مصر، يمر عليهم الكثير من المصريين بين الطلاب والموظفين والأجانب من الزوار أيضا، وبرغم انتشار سبل القراءة السريعة والإلكترونية في محاولات للمواكبة مع حركات التطور يفضلون هم الحفاظ على مهنتهم وقيمة الكتاب وما يحمله من معرفة للقارئ متوسط الدخل في ظل الارتفاعات التى يعاني منها صناعة الكتب.
وتروي كل فرشة للكتب جزءا صغيرا من روح وسط البلد التي تحوي في قلبها الكثير من الحكايات التي لا تنتهي.