مفارقة بروكسل: العصر الذهبي للتقشف أم بداية الانهيار؟
لا تقتصر موجة الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية العارمة التي تجتاح فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية على كونها مجرد صداع سياسي مؤقت يؤرق الحكومات المحلية، بل تمثل اختبارًا قاسيًا وعميقًا لبنية الاتحاد الأوروبي نفسه، وتهديدًا حقيقيًا لتماسكه السياسي والاقتصادي.
في قلب هذه الأزمة السياسية، تبرز مفارقة هيكلية واضحة: فمن جهة، تقف بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، حارسةً لقواعد الحوكمة الاقتصادية الصارمة، ولفرض حدود العجز المالي عبر ميثاق الاستقرار والنمو، ومطالبةً العواصم بالانضباط المالي لطمأنة أسواق السندات الدولية. ومن جهة أخرى، تقف ملايين الأسر الأوروبية العاملة، إلى جانب جيل الشباب الصاعد (الجيل Z)، مطالبةً بمزيد من تدخل الدولة، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير حلول عاجلة لغلاء المعيشة والتضخم المتصاعد.
وعندما تحاول الحكومات الوطنية في دول الاتحاد الأوروبي إرضاء بروكسل عبر تقليص العجز المالي الضخم، فإنها تشعل فتيل انفجارات اجتماعية مدمرة في الشوارع. وحين ترضخ لضغوط الشارع وتتوسع في الإنفاق، تتسبب في إثارة مخاوف أسواق المال وخرق قواعد الاتحاد. هذا الضغط المزدوج يمزق المشهد السياسي الأوروبي التقليدي من الجذور.
التداعيات السياسية الداخلية.. قادة ضعفاء ومأزق تشريعي
تلقي هذه الأزمة بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي الداخلي للدول الأعضاء، كاشفةً عن هشاشة غير مسبوقة في الائتلافات الحاكمة.
الشلل السياسي في فرنسا
برزت فرنسا بوصفها بؤرة أساسية لهذا الضعف السياسي. ومع ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي واتساع عجز الموازنة، أدى سعي الحكومة إلى فرض إجراءات تقشفية صارمة إلى تفكيك أغلبية برلمانية هشة أصلًا. ومع غياب أغلبية مريحة، يواجه القادة مأزقًا حرجًا: إما التعرض للسقوط عبر حجب الثقة، أو مواجهة الشلل السياسي واستمرار احتجاجات الشوارع.
فرصة الأحزاب الشعبوية
تجد الأحزاب الوسطية التقليدية نفسها محاصرة بين كماشتي اليمين واليسار. فبينما يستغل اليسار الراديكالي غضب الطلاب والعمال لتأجيج الزخم المناهض للمؤسسة الحاكمة، تعمل أحزاب اليمين المتطرف، المعتمدة على الخطاب الشعبوي، على استثمار التململ الشعبي الناجم عن انعدام الأمن الاقتصادي ومشكلات الضواحي. وبالنسبة إلى الناخبين الذين يشعرون بتجاهل النخبة التكنوقراطية، تقدم هذه التيارات السياسية وعودًا براقة بالانعزال الوطني والتغيير الشامل.
خطاب «القانون والنظام»
يلجأ قادة يمينيون، مثل رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، إلى خطاب آخر يفصل بوضوح بين الحق الديمقراطي في التظاهر وما تصفه هذه القيادات بـ«الاختطاف الإجرامي» للاحتجاجات. ومع محاولة بعض الحكومات المحافظة إظهار الحزم والقوة عبر القبضة الأمنية، تهدد هذه الاستراتيجية بتعميق الاستقطاب الاجتماعي وتوسيع الهوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
التهديد الاستراتيجي لمستقبل الاندماج الأوروبي
سياسيًا، ينذر استمرار الاضطرابات الاجتماعية بضرب أركان المشروع الأوروبي في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
1- إحياء شعارات السيادة الوطنية
عندما يكتوي المواطن بنار الأزمة الاقتصادية، تتجه أصابع الاتهام تلقائيًا نحو الكيان فوق القومي في بروكسل (Supranationalism)، وتروج التيارات الشعبوية بالفعل لفكرة أن الرقابة المالية للاتحاد الأوروبي ليست سوى إملاءات فوقية تجبر الحكومات الوطنية على الضغط على قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.
2- الشلل في مجالس الاتحاد الأوروبي
مع انشغال قادة الدول بالحفاظ على مواقعهم السياسية ومواجهة التمرد الداخلي، تتراجع قدرتهم على دفع المبادرات الطموحة للاتحاد، بدءًا من التكامل الدفاعي وصولًا إلى سياسات التحول الأخضر. وأوروبا المشتتة والمنقسمة داخليًا هي، بلا شك، أضعف جيوسياسيًا على الساحة الدولية.
3- تآكل الشرعية التكنوقراطية
طالما اعتمد الاتحاد الأوروبي على تعهد تكنوقراطي أساسي، مفاده أن الالتزام بقواعد السوق الموحدة والانضباط المالي يضمن الاستقرار والرخاء على المدى الطويل. وحين يؤدي التضخم وتدهور الخدمات إلى تحطيم هذا الوعد بالنسبة إلى جيل كامل، تتداعى الروابط النفسية التي تُبقي الاتحاد متماسكًا.
جرس إنذار لبروكسل
لا يمكن معالجة الأزمة السياسية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي بالغاز المسيل للدموع، أو صلاحيات الطوارئ الأمنية، أو حتى بالإنذارات البيروقراطية القادمة من المفوضية الأوروبية.
إذا أرادت أوروبا الصمود في وجه العاصفة، فسيتعين على بروكسل والعواصم الكبرى إبداء مرونة غير مسبوقة. ويتطلب الأمر ابتكار آليات مالية تتيح للدول الاستثمار بقوة في الخدمات العامة والإسكان ومستقبل الشباب، من دون إثارة أزمات ديون سيادية. وإذا فشل القادة في ذلك، فإن الدخان المتصاعد اليوم فوق العواصم الأوروبية لن يكون سوى مقدمة لزلزال سياسي أكبر، يعيد رسم خريطة البرلمان الأوروبي والحكومات الوطنية لسنوات مقبلة.