لم يكن المشهد داخل قاعة البرلمان عابرًا، ولا يمكن اعتباره مجرد خلاف إجرائي على إدارة جلسة، ما جرى بين الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن ورئيس المجلس الجديد كشف عن توتر أعمق، يتجاوز تفاصيل اللائحة إلى طبيعة العلاقة بين الأغلبية البرلمانية ورئاسة المجلس، وحدود الدور المسموح به لكل طرف داخل برلمان يُفترض أنه يبدأ دورة جديدة بوعود مختلفة.
هذا الخلاف أعاد طرح أسئلة قديمة متجددة: هل نحن أمام مجلس بنَفَس جديد فعلًا؟ أم أن المشهد يعيد إنتاج معادلة مألوفة، تتغير فيها الوجوه بينما تظل الأدوار كما هي؟
ما الذي حدث داخل الجلسة؟
بحسب مجريات الجلسة، ظهر الخلاف إلى العلن أثناء إدارة رئيس المجلس للنقاش، في لحظة بدا فيها حزب حماة الوطن، ثاني أكبر كتلة برلمانية، غير راض عن طريقة التعامل مع بعض المداخلات والإجراءات، اعتراضات نواب الحزب لم تكن صاخبة، لكنها كانت كاشفة؛ لغة الجسد، وحدّة التعقيب، وتوقيت التدخل، كلها عكست أن هناك ارتباكًا في العلاقة بين الحزب صاحب الأغلبية ورئاسة المجلس.
اللافت أن الخلاف لم يُحسم سريعًا، ولم يمر مرور الكرام، ما أعطى انطباعًا بأن الأمر لا يتعلق بلحظة غضب عابرة، بل بتباين في الرؤى حول من يقود إيقاع المجلس، ومن يضع حدود اللعبة البرلمانية.
قراءة في دلالات الصدام
سياسيًا، يُعد حزب حماة الوطن ثاني أكبر كتلة من النواب داخل البرلمان، بينما يأتي رئيس المجلس محمّلًا بتوقعات حول إدارة متوازنة تُرضي الجميع.
الصدام هنا يفتح باب التساؤل: هل يحاول رئيس المجلس تثبيت استقلالية نسبية لمنصبه؟ أم أن الأحزاب تختبر مبكرًا حدود هذه الاستقلالية؟
أحمد بهاء الدين شعبان: ما جرى ليس تفصيلاً عابرًا
وفي تعليقه على ما حدث، رأى رئيس الحزب الاشتراكي المصري ورئيس مجلس أمناء الحركة المدنية أحمد بهاء الدين شعبان أن المشهد داخل البرلمان يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف على إدارة جلسة.

وأوضح أحمد بهاء الدين، في تصريح لـ “القصة“، فيما يخص المجلس الحالي، أعتقد أنه بدون تجاوز هو نفس طبع البرلمان السابق، لأن القواعد لم تختلف بأي صورة عن الطريقة التي تم بها تشكيل المجالس السابقة، القائمة على علاقة الأعضاء بالدولة وأجهزتها، خصوصًا الأجهزة الأمنية، وقدراتهم المالية التي تسمح ببعض النفوذ، البرلمان القائم هو البرلمان السابق مع بعض اللمسات الشكلية لتحسين المظهر فقط.”
وأكد بهاء الدين، أن التوتر الحالي يعكس اعتراض بعض الكتل الكبرى، مثل حماة الوطن، على توزيع المقاعد داخل المعسكر الواحد وليس على تمثيل شعبي حقيقي، بعض الكتل شعرت أن حصتها لم تكن عادلة، خصوصًا مع سيطرة الأحزاب الكبرى على غالبية المقاعد، بينما حصلت أحزاب صغيرة أو جديدة على نصيب أقل.
الاختلافات ليست نابعة من ضعف شعبي أو تمثيل غير مناسب، بل من صراع داخلي على النفوذ والسيطرة على قرارات المجلس، الأحزاب لم تقدم برامج اجتماعية أو سياسية تمنحها الحق في هذه المقاعد، بل اقتُسمت ضمن اتفاقات بين أحزاب الموالاة لتثبيت مصالحها الداخلية.
الصدام الإداري وإدارة المجلس
توضح الوقائع أن الاختلافات داخل المجلس لا تقتصر على توزيع المقاعد فقط، بل تشمل أيضًا إدارة الجلسات وتفسير اللائحة، خاصة ما يتعلق بأولوية الكلمة ومن يملك حق المبادرة في مناقشة القوانين.
رئاسة المجلس الجديد تحاول فرض قواعد واضحة، حتى على الكتل الكبرى، لإظهار مجلس متوازن ومنضبط، بعيدًا عن هيمنة طرف واحد.
البرلمان ماذا يحدث
قال علاء الخيام السياسي ورئيس حزب الدستور السابق، أنا لا أعتبر هذا حزبًا ولا هذا برلمانًا، نواب البرلمان مجهولون في الحياة السياسية، ولا يعرف عنهم أحد شيئًا، لذلك لا أرى أداء برلمانيًا حقيقيًا ولا أتوقع أن يكون لهم تأثير على الملفات الهامة في الدولة.
وأضاف الخيام، في تصريح لـ “القصة“، كل ما يحدث مجرد سخريّة، بدل أن يركز النواب على الأفكار والبرامج التي يطرحونها، يركزون على معارك وهمية لا معنى لها. في النهاية، جميع النواب تابعون للسلطة، سواء مستقبل وطن أو رئيس البرلمان، لذلك فإن المعارك الحالية بلا قيمة حقيقية.

وتابع الخيام، هذا البرلمان أسوأ من سابقه، ولا أرى أي أمل في بعض النواب، خصوصًا أن الأخطاء اللغوية أو ضعف الأداء تجعلهم غير قادرين على مواجهة الملفات السياسية الحرجة مثل سد النهضة، العلاقات الإقليمية، أو الملفات الداخلية المهمة. بالمقارنة بالماضي، كان هناك نواب مثل حمدين صباحي أو محمد عبد العليم أو طلعت السادات، الذين كانوا يخوضون معارك حقيقية داخل البرلمان. الآن كل شيء يبدو غير ذلك.
في المحصلة، لا يمكن فصل ما حدث داخل البرلمان عن السياق السياسي الأوسع. الصدام بين حماة الوطن ورئيس المجلس ليس مجرد تفصيلة إجرائية، بل اختبار مبكر لشكل البرلمان القادم. إما أن يتحول الخلاف إلى مدخل لإعادة ضبط العلاقة داخل المجلس، أو يصبح مجرد مشهد عابر يُضاف إلى أرشيف طويل من برلمانات لم تنجح في كسر القالب التقليدي.