رغم الأجواء المشحونة في المنطقة، برزت أزمة جديدة أعادت خلط أوراق الطاقة والسياسة في شرق المتوسط، بعد أن وصلت صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل إلى طريق شبه مسدود، وسط خلافات حادة بين واشنطن وتل أبيب حول مسار التعاون في مجال الطاقة.
وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات، تبدو القاهرة –بحسب مراقبين– الرابح الأكبر في معركة النفوذ التي تتجاوز حدود الاقتصاد إلى حسابات السياسة والأمن.
جذور الأزمة
الصفقة التي أثارت الجدل تعود إلى اتفاقيات وقعت قبل أعوام لتصدير الغاز من حقل “ليفياثان” الإسرائيلي إلى مصر عبر شركات وسيطة، بقيمة تقدر بـ 35 مليار دولار أمريكي.
وكان الهدف استخدام الغاز في محطات الإسالة المصرية ثم إعادة تصديره إلى أوروبا، في خطوة من شأنها أن تمنح القاهرة موقعاً محورياً في تجارة الطاقة الإقليمية.
لكن الاتفاق الذي بدا في بدايته إنجازا اقتصاديا، اصطدم بعقبات سياسية وأمنية متشابكة، منها التوترات في شمال سيناء، والضغوط الداخلية في إسرائيل، فضلًا عن تغيرات المشهد الإقليمي بعد الحرب على غزة، التي جعلت من ملف الغاز جزءًا من صراع النفوذ لا مجرد تعاون اقتصادي.
مصر بين التوازن الاقتصادي والسياسي
بالنسبة لمصر، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، فالقاهرة تسعى لتأمين احتياجاتها من الطاقة في ظل تراجع إنتاج بعض الحقول المحلية، لكنها في الوقت ذاته حريصة على الحفاظ على مكانتها كمركز إقليمي للطاقة.
وتتعامل مصر مع الملف بحذر واضح، خاصة بعد موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما أثار توتراً سياسياً مع إسرائيل خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن مصر تدير الملف بحسابات دقيقة، توازن بين مصالحها الاقتصادية وثوابتها السياسية، دون التفريط في أوراق القوة الإقليمية التي تمتلكها.
الموقف الإسرائيلي: بين الاقتصاد والسياسة
على الجانب الإسرائيلي، تمثل الصفقة مع مصر فرصة استراتيجية لتكريس الحضور الاقتصادي في المنطقة وكسر العزلة الجيوسياسية من خلال ما تسميه تل أبيب بـ”دبلوماسية الطاقة”.
لكن التوترات المتصاعدة على خلفية الحرب في غزة والرفض الشعبي العربي لأي شكل من أشكال التطبيع الاقتصادي جعلت استمرار الصفقة موضع تساؤل.
كما تشير تقارير إلى أن إسرائيل تعاني من تراجع في كميات الغاز المتاحة للاستهلاك المحلي، وهو ما يدفعها إلى محاولة رفع الأسعار أو تعديل بنود الصفقة لتحقيق مكاسب أكبر، الأمر الذي زاد من تعقيد الموقف.
رمضان أبو العلا لـ “القصة”: إسرائيل تتلاعب بالاتفاقية وموقف مصر ثابت
قال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، في تصريح خاص لـ”القصة” –استناداً إلى ما صرح به سابقاً في برنامج يستحق الانتباه على قناة BBC– إن الأزمة الراهنة تعود إلى وجود اتفاقيتين مختلفتين بين مصر وإسرائيل في مجال الغاز الطبيعي.
وأوضح أن الاتفاقية الأولى كانت لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، وتضمنت شرطاً جزائياً في حال توقف الإمدادات.
وعندما توقفت مصر عن التصدير بعد تفجيرات خط الغاز في فترة الثورة، رفعت إسرائيل دعوى قضائية ضد مصر، وحصلت على حكم بقيمة 1.76 مليار دولار، قبل أن يتم التوصل لاحقًا إلى تسوية ودية بين الجانبين.
أما الاتفاقية الثانية، الخاصة بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، فلم تتضمن شرطاً جزائياً مماثلًا، وهو ما جعل الموقف الحالي أكثر تعقيداً، إذ تتلاعب إسرائيل ببنود الاتفاق وترفض تنفيذها رغم الضغوط الأمريكية.
وأضاف: «الولايات المتحدة تبدو إيجابية تجاه مصر في هذا الملف، لأنها ترغب في تفعيل الاتفاقية، لكن إسرائيل تحاول تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية على حساب القاهرة، والدليل إلغاء وزير الطاقة الأمريكي زيارته الأخيرة لإسرائيل».
وأكد أبو العلا أن مصر ثابتة على موقفها السياسي الداعم للقضية الفلسطينية، وهو ما ينعكس على تعاملها مع الملفات الاقتصادية دون أن تسمح بتوظيفها ضد مصالحها الوطنية.
سمر عادل لـ “القصة”: إلغاء الصفقة قد يمنح مصر قوة جديدة في سوق الطاقة
من جانبها، قالت الدكتورة سمر عادل، خبيرة الاقتصاد بمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، إن ما يجري في ملف الغاز كان «متوقعًا منذ مؤتمر شرم الشيخ الأخير»، مشيرة إلى أن موقف مصر الثابت والداعم للقضية الفلسطينية جعل من الطبيعي أن تحاول إسرائيل استخدام ملف الغاز كأداة ضغط.
وأضافت أن إسرائيل «تسعى لرفع أسعار الغاز بعدما كانت مصر تحصل عليه بأسعار منخفضة نسبيًا»، لافتة إلى أن هذا السلوك يعكس رغبتها في تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية من الموقف المصري الراهن.
وترى الدكتورة سمر أن إلغاء الاتفاقية ليس بالضرورة خسارة لمصر، بل قد يكون «مكسبًا استراتيجيًا»، لأن الاتفاق السابق كان يُقيِّد جزءًا من طاقة التسييل المصرية لصالح الغاز الإسرائيلي، بينما الإلغاء يمنح مصر حرية أكبر في تشغيل منشآتها وتصدير الغاز بحرية، ما يعزز موقعها في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وقالت بوضوح: “إسرائيل مجرد كيان، ولا يمكن الاتكاء على أي اتفاقيات طويلة المدى معها”، مضيفة: “مصر تمتلك بدائل متعددة في حال توقف الإمدادات، ويمكنها عقد اتفاقيات مع دول أخرى في المنطقة، خصوصًا مع التحولات السياسية الجديدة التي تُعيد ترتيب المصالح الإقليمية”.
وأكدت أن ما يجري “قد يكون بداية جديدة لعودة مصر كلاعب رئيسي في سوق الطاقة، واستعادة دورها القيادي في شرق المتوسط”.
منتدى غاز شرق المتوسط يعيد رسم الخريطة
وفي ما يتعلق بمنتدى غاز شرق المتوسط، الذي تستضيفه القاهرة، تقول سمر عادل إن انعقاده في هذا التوقيت يمنح مصر فرصة لتعزيز موقعها كمركز للطاقة، ويفتح الباب أمام اتفاقيات استثمارية وتجارية جديدة تؤكد دورها كوسيط إقليمي قادر على إدارة التوازنات.
قراءة في المشهد: معركة نفوذ لا صفقة عابرة
يرى مراقبون أن أزمة الغاز الحالية تجاوزت كونها صفقة متعثرة، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل التعاون الإقليمي في شرق المتوسط، حيث أصبحت الطاقة «ورقة نفوذ وصراع على المكانة والسيادة».
ومع استمرار الخلاف الأمريكي–الإسرائيلي حول كيفية إدارة الملف، وتزايد التعقيدات في ظل الحرب على غزة، يبدو أن القاهرة استطاعت توظيف الموقف لصالحها، عبر التمسك بمبادئها السياسية دون خسارة مكانتها الاقتصادية.
وفي ختام المشهد، يبقى الغاز في شرق المتوسط أكثر من مجرد سلعة اقتصادية، بل رمزًا لصراع الإرادات بين قوى المنطقة، فيما تبدو مصر اللاعب الأذكى والأكثر توازنًا في معركة الكبار.