في زيارتي هذا العام إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، اكشفت المعرض بصورته الحقيقية، ليس من خلال الافتتاحات أو الصور الرسمية بل من قلب الزحام ومن بين الزوار الذين إما يبحثون عن كتاب أو من أجل التمشية واستكشاف أجواء المعرض.
ففي هذا اليوم استنتجت ثلاث ملاحظات تمكنت من خلالها اختصار تجربتي في زيارة المعرض هذا العام وربما قد يشاركني آخرون هذه الرؤية.
ارتفاع أسعار الكتب
كان أول ما لفت نظري بعد زيارة الكثير من الأجنحة ودور النشر هو ارتفاع أسعار الكتب الملحوظ والذي قد يكون مبالغا فيه في بعض الأحيان، فكان أغلب المارة حينما يعلمون بسعر الكتاب يتركونه في هدوء، ليس لسوء محتوى الكتاب لكن لأن السعر أصبح يشكل عبئا حقيقيا.
ففي شراء الكتب، الذي كان منذ أعوام قليلة في متناول الكثيرين، أصبح اليوم في حاجة إلى الكثير من التفكير والحسابات، فأصبح البعض يكتفي إما بالزيارة فقط أو بشراء عدد أقل مما اعتاد عليه من الكتب.
ولا تقتصر هذه الأزمة على دار نشر محددة، لكنها باتت أزمة عامة في الوسط الثقافي، تطرح سؤالًا هامًا: هل أصبح الكتاب رفاهية؟
فقر بالندوات والأمسيات
من المعروف أن المعرض دائمًا ينظم جدولًا مليئًا منذ اليوم الأول وحتى اليوم الأخير بالندوات الثقافية وأمسيات الشعر، وحتى مناقشات لبعض الكتب حديثة الإصدار، لكن كان هذا العام فقيرًا بشكل واضح في الندوات التي قُدمت، فغاب عن المشهد الكثير من الندوات الثقافية، وحلت محلها ندوات أخرى يمكن وصفها بأنها كانت محدودة في التأثير وموجهة لفئة معينة، في حين غابت أسماء وقضايا ثقافية كان يمكن طرحها في حدث ثقافي هام مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب. فالمعرض ليس مكانًا فقط لبيع الكتب، بل هو مساحة هامة للنقاش والحوار ومنصة ثقافية مؤثرة وبقوة لدى الكثير من الأجيال، فأرى في غياب الندوات الهامة افتقادًا كبيرًا لجزء من روحه.
تنظيم جيد لكنه غير مستمر
أما عن التنظيم داخل المعرض فكان جيدًا بشكل عام، خاصة وأنه أصبح السمة التي تميز المعرض بعد نقله إلى أرض المعارض بالقاهرة الجديدة. فكان توزيع الأجنحة وسهولة الدخول وشراء التذاكر منظمًا وسلسًا بشكل كبير، لكن مع تزايد أعداد الزوار، خاصة في نهايات الأسبوع، يختفي ذلك التنظيم بالتدريج، فالازدحام يجعل الحركة أصعب بكثير، ويجعل من مهمة البحث عن كتاب أو حضور فعالية ما شاقة.
وفي ذلك الازدحام شعرت لبعض الوقت أن المكان ربما غير مُعد بما يكفي لاستقبال مثل هذه الأعداد، مما يؤثر على الزوار ودور النشر أيضًا.
ومع ذلك، لا يزال معرض القاهرة الدولي للكتاب هو الحدث الثقافي الأهم والأبرز في مصر والمنطقة العربية، ينتظره الزوار في كل عام، وتعد له دور النشر على مدار العام، وهو الدليل الأقوى على أنه لا يزال هناك شغف بالقراءة والكتاب لدى الكثيرين، ويتضح ذلك من الأعداد الكبيرة التي تأتي كل عام.
ومن خلال هذه الملاحظات التي يقدمها الكثيرون بعد زيارة المعرض، يمكننا فتح بابٍ للنقاش عن مستقبل المعرض، وطرح الكثير من الأسئلة حول كيفية الموازنة بين الأسعار وقدرة القارئ؟ وكيف يمكن لندوات المعرض أن تستعيد حالتها الثقافية المؤثرة؟ وكيف يمكن للتنظيم استيعاب الازدحام دون خسارة متعة الزيارة؟
أسئلة قد تحتاج إلى إجابات ودراسة حقيقية، لأن المعرض ليس مجرد موسم أو عرض ثقافي، بل هو مرآة لحال الثقافة في بلد بأكمله.”