مع وصولنا إلى الساعات الأخيرة قبل إغلاق بوابات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، تحدّث شعراء وفنانون لـ”القصة” عن رؤيتهم لهذه الاحتفالية الثقافية السنوية، التي شهدت هذا العام إقبالًا جماهيريًا لافتًا منذ أيامها الأولى.
تباينت آراء المثقفين حول معرض الكتاب هذا العام؛ فبينما رأى بعضهم أن الزخم الكبير يؤكد أن المعرض لا يزال حدثًا ثقافيًا حقيقيًا وجادًا، ومساحة مهمة للتفاعل بين الكاتب والقارئ، اعتبر آخرون أن هذا الإقبال لا يعكس بالضرورة عمقًا ثقافيًا، بل يميل أكثر إلى كونه مهرجانًا جماهيريًا واسعًا، يطغى فيه الطابع الاحتفالي على المضمون الفكري.
وبين هذا وذاك، يبقى معرض القاهرة الدولي للكتاب ساحة مفتوحة للنقاش والاختلاف، تعكس حال المشهد الثقافي المصري، وتكشف عن أسئلة مستمرة حول دور الثقافة وحدود تأثيرها في زمن تتداخل فيه المعرفة مع الترفيه.
مشهد ثقافي لافت في أروقة المعرض.. “كرنفال مصري”
“من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا”، تحت شعار المعرض، سجلت البوابات الإلكترونية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية ظاهرة كسرت القواعد؛ ففي يوم الجمعة 30 يناير، استقبل المعرض 807 آلاف و245 زائرًا. وهو ما يعني أن المعرض استطاع حشد ما يعادل سعة أكبر استادات العالم خمس مرات ونصف، محولًا “الخروجة الثقافية” إلى أكبر حدث جماهيري تشهده المنطقة.
وبناءً على هذه الإحصائيات، فسر البعض الحدث الاستثنائي بمعرض الكتاب على أنه “حرم ثقافي”؛ إذ تجاوز إجمالي عدد الزوار منذ انطلاق دورة 2026حاجز الـ4.5 مليون زائر، ليُرسّخ المعرض مكانته كأكبر حدث جماهيري في الشرق الأوسط، والمنافس الأول عالميًا لمعرض “فرانكفورت” من حيث كثافة الجمهور العام.
والجدير بالذكر أن هذا الصرح، الذي وضع لبنته الأولى ثروت عكاشة والدكتورة سهير القلماوي عام 1969 احتفالًا بألفية القاهرة، قد تجاوز اليوم كونه مجرد سوق للكتاب، ليغدو “كرنفالًا مصريًا” يعزز حضور الثقافة داخل المجتمع.
معرض الكتاب بعيون مثقفيه
أكد رضا خليل، الفنان التشكيلي، أن للفن التشكيلي في مصر دورًا مؤثرًا في الفعاليات الثقافية، قد يتوهج أحيانًا ويخبو أحيانًا أخرى. وتمنى إقامة معرض يشارك فيه كبار الفنانين والشباب معًا، لعرض لوحات تمثل عوالم نجيب محفوظ، بدءًا من “السكرية” وشارع المعز، وصولًا إلى القاهرة الخديوية، في اندماج مع روح معرض الكتاب في دورته الـ57.
ورغم ذلك، أشار إلى وجود حضور فني عبر معارض للشباب، ومشاركة واسعة في أجنحة الأطفال من خلال ورش التلوين، إضافة إلى توفر العديد من الكتب الفنية.

وأعرب خليل عن أسفه لغياب مظاهر الفن التشكيلي في أروقة المعرض الواسعة، مثل التماثيل النحتية أو اللوحات الفنية، التي كانت تمثل أفضل دعاية للفن المصري، خاصة في ظل وجود عدد كبير من الزوار والناشرين الأجانب.
فلسفة الفن للتطوير
“الفنون تهذب الإنسان وترقيه”، على هذا الأساس دعا خليل إلى ضرورة امتزاج الفن التشكيلي بالموسيقى والكتاب، مستشهدًا بالفن المصري القديم، والعمارة القبطية والإسلامية، والجداريات الكبرى، بوصفها نماذج لاندماج الثقافة بالفن.
وبلسان فني، عاد بنا إلى عصر ثورة 1919، مؤكدًا وعي سعد زغلول بأهمية الفن والثقافة، ما أفرز النحات المصري محمد مختار وجيل الرواد وطليعة من الكتاب والمثقفين.
وشدد على أهمية الالتفات إلى الفنون الأصيلة والثقافة الشعبية، ودعم ممثليها والاحتفاء بهم، باعتبارهم تعبيرًا عن رقي المجتمع والحضارة.
وأشاد خليل بالتنظيم العام للمعرض، مع الإشارة إلى الحاجة لمعالجة بعض الجوانب، مثل زيادة اللوحات الإرشادية، وسلال القمامة، وتوسيع قسم سور الأزبكية لتسهيل الحركة، وتعزيز الانضباط والأمن.
جدل الأمسيات الشعرية
استهل الشاعر محمود الكرشابي حديثه باقتراح مبادرة تفاعلية تهدف إلى تطوير برنامج الأمسيات الشعرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، استجابةً لحالة الجدل المثارة حول معايير اختيار المشاركين وتهميش بعض الرموز الإبداعية.
وأوضح أن اسمه مدرج بالفعل ضمن برنامج الدورة الحالية، نافيًا أي طابع شخصي لمقترحاته، مشيرًا إلى تذمر عدد من الشعراء الكبار من تجاهل أسمائهم، في ظل تكدس الأمسيات بأعداد تفوق القدرة على الاستيعاب الفني.
واقترح الكرشابي ثلاثة حلول عملية، من بينها تقسيم الشعراء إلى قائمتين أو ثلاث تشارك كل منها في دورة مستقلة، ومنح الأولوية لمبدعي المحافظات البعيدة، والالتزام بعدم مشاركة الشاعر في دورتين متتاليتين.
كما سلط الضوء على “جغرافية المكان” وتأثيرها في عزلة الإبداع، معتبرًا أن تصميم المقر الجديد خلق فجوة مكانية انعكست على الحضور الجماهيري.
المعرض القديم في الأذهان
قارن الكرشابي بين “أرض المعارض” القديمة، حيث كانت القاعات قريبة من ممرات الزوار، ما يسمح للجمهور بدخول الأمسيات بدافع “الفضول المعرفي”، وبين الموقع الحالي الذي باتت فيه قاعات الشعر بعيدة وصعبة الوصول، مستشهدًا بتجربة شخصية أثرت على التنظيم والحضور.

ودعا إلى “تقريب المسافات” ليعود الشعر عصبًا للمعرض، لا نشاطًا هامشيًا داخل قاعات مغلقة.
تحديات سوق الكتابة
أشار الكرشابي إلى أزمة مزدوجة يعاني منها سوق الكتاب، تتمثل في ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب ارتفاع تكاليف إيجار أجنحة العرض.
وفيما يخص ديوان الشعر، لفت إلى فجوة في النشر، حيث يعزف الناشر الخاص عن طباعته إلا على نفقة الشاعر، مقابل تراجع دور المؤسسات الرسمية في دعم الأجناس الأدبية غير الربحية مثل الشعر والنقد والمسرح وأدب الطفل.
فخامة المباني وروح الشارع
بعد جولته في معرض الكتاب 2026، تحدث الروائي عمرو البطا عن الإقبال الكبير من الجمهور، ووجود حركة شراء فعلية رغم الظروف الاقتصادية، معتبرًا أن ذلك يعكس وعيًا بأن الثقافة والمعرفة طوق نجاة.
وأشاد بمبادرة وزارة الثقافة “مكتبة لكل بيت” والإصدارات المدعمة، مطالبًا بنقل الفعاليات إلى الأروقة المفتوحة، وإقامة الندوات خارج القاعات المغلقة، مع عودة أمسيات الشعر العامي إلى المنصات المكشوفة.

وأكد أن الفارق بين المعرض القديم والجديد ليس في المباني فقط، بل في “الطعم”، حيث تصدرت الثقافة المشهد سابقًا، بينما توسعت النزعة التجارية في الموقع الجديد.
نبض الشعر.. إقبال أدبي
أكد أحمد جمال مدني، شاعر الفصحى، أن فعاليات المعرض هذا العام اتسمت بالتنوع، مع حضور لافت لشعراء الفصحى، مشيرًا إلى مشاركته في أمسيات شعرية وإدارته لإحدى الأمسيات بدعوة من “دارة الشعر العربي” بالفجيرة.

ووصف الإقبال على الكتب الأدبية بأنه “المعقول الطبيعي”، مع الإشادة بمحاولات التنظيم لتغطية مختلف الجوانب.
الشعر يفتقد التغطية الإعلامية
من جانبها، أشارت الشاعرة ياسمين شاذلي إلى تطور التغطية الإعلامية هذا العام، ما ساهم في جذب الجمهور، لكنها شددت على ضرورة ابتكار آليات دعائية جديدة للأمسيات الشعرية تتجاوز الدوائر الضيقة.
نافذة إبداعية تطل من الجنوب
واختتم الشاعر حسن عامر حديثه بالتأكيد على أهمية التقييم الموضوعي للمعرض، مشيرًا إلى نشاط “بيت الشعر بالأقصر” المرتقب، الذي يستهدف الأطفال والناشئة لإحياء التراث الشعري، بوصفه جسرًا ثقافيًا يربط مواهب الجنوب بالمشهد العام.