رائحة الكعك والبسكويت تفوح في كل مكان، وطوابير أمام المخابز، وأطفال تحمل آواني أمام الأفران في كل شارع وحارة وحي شعبي. بيوت ومنازل وسيدات تعجن وتبدع في نقوش المخبوزات، مشهد معتاد في مصر منذ قديم الزمان، التي عرفت باستقبال العيد بهذه العادة. ولكن في ظل ارتفاع الأسعار وسوء الأحوال المعيشية تغيّر المشهد.
تقول “أم أحمد” صاحبة الستين عامًا بمحافظة قنا، إن عادة “خبيز العيد” هي أجمل ذكريات طفولتها، إذ كانت تبدأ عائلتها والجيران بالتجهيز من أواخر شهر رمضان بدايةً من غسيل القمح ثم إرساله إلى الطواحين، ثم البدء في إعداد كل أصناف المخبوزات.
وتكمل: كان النساء يجتمعنّ ويقسمنّ الأدوار بينهم، بينما كان دور الأطفال هو توصيل “الصواني” إلى الفرن البلدي، التي كانت غالبا أعلى أسطح المنازل
وتختتم حديثها قائلة: “بس دا كله أصبح ذكريات محدش بيخبز، ولو فيه حد بيخبز بيعمل كمية قليلة مع نفسه في بيته، لأن الظروف الاقتصادية أصبحت غير الأول، زمان كان كل حاجة من البيت الدقيق والبيض والسمن البلدي، أما دلوقتي كل حاجه بنشتريها والأسعار كل يوم في زيادة.
وتقول “هدى” ربة منزل تسكن في محافظة الإسكندرية: “لما كنا في الصعيد قبل زواجي، كان عادة الخبيز تراث ثابت، ولكن بعد زواجي وانتقالي لهنا، كنت بشتري الخامات وبوصي الفرن يعملي الأنواع اللي بنحبها، وكنت بعمل كميات كبيرة، ولكن من سنتين ومع زيادة أسعار الدقيق والسمن بقيت اشتري كام كيلو جاهزين كمية محدودة كفرحة للعيد.
بنشتري جاهز بعد ما كنا نقعد أيام نعمل الكعك ونوزعه علي الأهل والجيران.. “بهذا عبرت إيمان التي تسكن ارياف محافظة الشرقيه عن المفارقة التي شهدها الناس بين العيد في الماضي والآن، وتقول: “وأنا في بيت أهلي أمي كانت تخبز كميات كبيرة، ولما اتجوزت حماتي كانت بتعمل الكعك وتوزعه على الجيران أما حاليا بنبعت للمخبز أو بنشتري جاهز”، وتقول بنبرة ساخرة: “العلبة كاملة اللي بنشتريها كنا بنوزع على الحبايب ضعفها عشرات المرات”.
وتضيف شيماء قائلة: “مع إني موظفه ووقتي محدود، إلا إني بحرص على صناعة الكعك في البيت”، معللة ذالك بقولها: لكي أشارك أطفالي الفرحه وأصنع لهم ذكريات مع تحضيرات العيد
وتتابع: “هو كل حاجة غاليه، بس بنحاول مانقطعش العاده حتى لو هنعمل كمية محدودة جدا، وطبعا نظرا لارتفاع الأسعار أصبحنا نستخدم السمن النباتي بديل الزبدة، واستغنيت عن إضافة المكسرات والملبن لأن اسعارها أصبحت تحتاج إلى ميزانية خاصة.
وتوضح: “طبق البيض 140 جنيه وعلبة السمنة النباتي 250 جنيه دا غير السكر والدقيق، قالت هذه الجملة أم حسين من محافظة المنيا وتقول إنها من سنوات استغنت عن فكرة خبيز العيد نظرا لغلاء الاسعار المعيشيه وأن معاشها الشهري يكاد بالكد يكفي متطلبات الحياة اليوميه خلال الشهر.
ويقول علاء عامل في إحدى محلات الحلويات بمدينة نجع حمادي إن “الإقبال كل سنة يتراجع عن اللي قبلها وطلب الكميات بيقل بشكل ملحوظ والتنوع كمان وأغلب الزبائن أصبحت تكتفي بالبسكوت أو الكعك العادي فقط”.
وعلق مدحت الفيومي رئيس شعبة الحلويات غرفة الدقهلية، أن ارتفاع الأسعار له عدت أسباب على رأسها الأوضاع السياسية، التي يمر بها العالم أجمع وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري، مما أدى إلى زيادة في الخامات المستوردة المستخدمة في صناعة الحلويات.
بالإضافة إلى ارتفاع أسعار شركات الشحن وحركة الاستيراد التصدير المتعطلة، بسبب الأحداث الجيوسياسية.
ويشير في حديثه لـ “القصة” أن كميات الشراء بدأت تتقلص من عدة سنوات، وذلك بسبب سوء الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار الخامات وخاصة المكسرات.
وأن من عادة المصريين شراء كميات كبيرة، ولكن بعد ارتفاع الأسعار أصبح من كان يشتري 10 كيلو جرامات، يكتفي بـ 2 أو 3.
أما عن الأسعار، فيشير إلى أن متوسط أسعار العلب الصغيره يتراوح بين 160 و 200 جنيه للعلبة، ويزداد السعر بزيادة حجم العلبة، أما عن الأسعار في منافذ بيع الدولة، فهي تتراوح بين 100 و110 جنيهات ويرجع فرق الأسعار بين منافذ بيع الحكومة والسوق، أن التاجر يستورد أغلب الخامات أما منافذ الحكومه تعتمد بشكل أساسي على مزارع الجيش، فلذلك تعرض منتاجتهم بشكل ومدعم.
ويشير في نهاية حديثه إلى أن الشعب المصري يقدس كعك العيد وأغلب الشعب يشتري مهما كانت الظروف الاقتصاديه متعثرة.

“حكاية الكعك اللي بدأها المصري القديم”
إن للكعك تاريخ طويل في مصر، يعود إلى عصر المصريين القدماء، حيث تشير الكتب التاريخية وجدران المعابد، إلى أن المصرين القدماء كانوا يصنعونه على شكل أقراص كبيرة ترمز إلى قرص الشمس المرتبط بالإله “رع”، وكانوا ينقشون عليه أشكال هندسية تشبه أشعة الشمس. وذلك موثق على جدران مقبرة “رخ مي رع” وزير الملك تحتمس الثالث من الأسرة الـ 18.
استمرت عادة صناعة الكعك، عبر العصور التاريخية المختلفة في مصر، وخصوصًا في العهد الطولوني والإخشيدي والفاطمي حتي أصبحت عادة مصرية أصيلة يتوارثها جيل بعد جيل.
