في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار المواجهات، يثار تساؤل مهم حول حقيقة ما يُقال عن “عودة” حزب الله، هل هي عودة كاملة إلى سابق قوته، أم مجرد استعادة جزئية للقدرة على القتال؟
في هذا الحوار الصحفي، يوضح الدكتور ميسرة مصطفى بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات ببرلين، أبعاد المشهد بدقة، كاشفًا الفارق بين التماسك العملياتي والقوة الاستراتيجية، ومفسرًا تعقيدات المرحلة الراهنة.
بدايةً، هل يمكن القول إن حزب الله عاد بالفعل؟
يمكن القول إن الحزب “عاد”، لكن هذا الوصف يظل ناقصًا ما لم نحدد: عاد إلى ماذا؟ ما نشهده منذ 2 مارس 2026 ليس عودة إلى ما قبل الضربات الكبرى، ولا استعادة تلقائية للقوة السابقة، بل هو أقرب إلى استعادة القدرة على العمل والقتال بعد مرحلة تضرر عميق بدأت منذ حرب 2023.
كيف تصف طبيعة هذه العودة؟
ما يحدث هو إعادة تشغيل لتنظيم تضرر بشدة لكنه لم يُكسر نهائيًا، الحزب خضع لإعادة تنظيم، شملت إعادة التدريب، والتحول إلى نموذج أكثر لامركزية وأقل انكشافًا، لذلك، لا يمكن وصف ما يحدث بأنه “بعث من العدم” ولا “استعادة كاملة”.
ما الفرق بين التماسك العملياتي والقوة الاستراتيجية في هذا السياق؟
هذا هو جوهر الالتباس، التماسك العملياتي يعني القدرة على القتال والتنسيق وإرباك الخصم، وهذه مؤشرات موجودة بالفعل، أما القوة الاستراتيجية فهي أوسع، وتشمل البيئة السياسية، والقدرة على الحركة بحرية، وتوافر الموارد، وهذه لم تعد كما كانت.
هل هناك شواهد على استعادة التماسك العملياتي؟
نعم، الحزب ما يزال قادرًا على إطلاق الصواريخ، والحفاظ على الانضباط الميداني، وإعادة هيكلة قيادته إلى وحدات صغيرة لا مركزية. هذه مؤشرات واضحة على أنه لم يخرج من المعادلة.
وماذا عن القوة الاستراتيجية؟
الوضع مختلف تمامًا. الحزب يعيد بناء نفسه في بيئة أكثر قسوة، خاصة مع تحركات الدولة اللبنانية لمنع أنشطته العسكرية، وبسط الجيش سيطرته جنوب الليطاني. كما أن المناخ الداخلي لم يعد مريحًا كما كان سابقًا.
كيف تؤثر العمليات العسكرية الإسرائيلية على هذا الواقع؟
الحزب يعيد بناء نفسه تحت النار، وليس بعد توقفها. إسرائيل تستهدف ليس فقط قدراته العسكرية، بل أيضًا البيئة التي تسمح له بإعادة ترميم هذه القدرات، عبر ضرب البنية التحتية وتضييق المجال الجغرافي، بما في ذلك الحديث عن إنشاء منطقة أمنية حتى نهر الليطاني.
هل وصف “العودة” إذن دقيق؟
هو وصف مضلل إذا استُخدم بلا تدقيق. العودة إلى القتال لا تعني العودة إلى فائض القوة.
قد تعني فقط القدرة على الصمود أو إطالة أمد المعركة، وليس استعادة القوة الشاملة.
هل للضغط العسكري الإسرائيلي آثار عكسية؟
نعم، وهذه هي مفارقة الحرب. الضغط يُضعف الحزب ماديًا، لكنه قد يعيد تبرير وجوده سياسيًا. مع تصاعد الحديث عن احتلال مناطق جنوبية، تعود سردية “المقاومة” إلى الواجهة، ويستعيد الحزب جزءًا من شرعيته في نظر بعض الفئات.
ماذا عن الكلفة الاجتماعية للحرب؟
هذه نقطة حاسمة، القوة لا تُقاس بالسلاح فقط، بل بالناس أيضًا، هناك نزوح واسع، وخسائر بشرية كبيرة، وتدمير للبنية المدنية. البيئة الحاضنة نفسها تتآكل، وهذا يؤثر على قدرة الحزب على الاستمرار على المدى الطويل.
في ضوء كل ذلك، هل العودة حقيقية أم مبالغ فيها؟
هي عودة حقيقية على مستوى الجاهزية العملياتية، لكنها مبالغ فيها إذا صُورت كاستعادة شاملة للقوة، الحزب عاد إلى القتال والصمود، لكنه لم يعد إلى وفرة السلاح أو مرونة الحركة أو البيئة السياسية السابقة.
كيف يمكن تلخيص المشهد الحالي؟
نحن أمام “عودة وظيفة لا عودة وفرة”، الحزب يقاتل بما تبقى لديه، وليس بما كان لديه. يبدو متماسكًا ميدانيًا، لكن مجاله الاستراتيجي أضيق، وبيئته أكثر إرهاقًا، وضغوطه أكبر.
ما الخلاصة النهائية؟
هذه ليست قصة عودة قوة كاملة، بل قصة قدرة على منع السقوط الحزب لا يزال قادرًا على القتال، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة يمكنه أنه عاد كما كان.