لم يعد موسم الزيتون في فلسطين كما كان؛ ذاك العرس السنوي الذي كانت فيه العائلات تصعد إلى الحقول لتجني ثمار الصمود والرزق والذاكرة.
اليوم، صار موسم الزيتون فصلًا من فصول الحرب، تُقطف فيه الأحلام قبل الثمار، ويُسقى فيه التراب بدماء المزارعين لا بماء المطر.
على امتداد قرى الضفة الغربية، تحولت الحقول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الفلاحين الفلسطينيين واعتداءات المستوطنين التي تتصاعد عامًا بعد عام، في ظل غياب تام لأي حماية حقيقية من جيش الاحتلال، الذي لا يكتفي بالصمت، بل يشارك في كثير من الأحيان في عمليات الاعتداء والاقتحام.
أرقام تُجسد الإبادة الخضراء
بحسب بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن قطاع الزيتون خسر خلال العامين الأخيرين أكثر من 90% من مساحاته الإنتاجية في بعض المناطق نتيجة الاقتلاع والحرق والمصادرة.
قبل عامين، كانت فلسطين تمتلك نحو 2 مليون و150 ألف شجرة زيتون، أما اليوم، فقد تقلص العدد إلى 150 ألف شجرة فقط صالحة للإنتاج، بعد أن طال التخريب نحو 40 ألف دونم من الأراضي المزروعة.
وفي غزة تحديدًا، انخفضت مساحة الأراضي المزروعة من 50 ألف دونم إلى 4 آلاف فقط، نتيجة الاستهداف الممنهج والتجريف خلال العدوان الأخير.
يقول المهندس محمد عودة من وزارة الزراعة في غزة، لـ “القصة”: “القطاع يعاني من أسوأ موسم زيتون منذ عقود، بسبب الدمار الذي طال الأشجار والبنية الزراعية، إلى جانب انقطاع سلاسل التوريد وعدم قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم بأمان.”
ضحية منذ مطلع الموسم
في الضفة الغربية، يؤكد أمير داود من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن الاعتداءات هذا الموسم بلغت مستوى غير مسبوق، قائلاً: “منذ مطلع الموسم الحالي، نتحدث عن 1300 شجرة تضررت بكافة أشكال التضرر، من اقتلاع وتكسير وتسميم وحرق في مختلف المناطق الفلسطينية”، مضيفًا أن جيش الاحتلال لا يحمي المزارعين، بل “يتبادل الوظائف مع المستوطنين في تنفيذ الاعتداءات.”
ويتابع: “كل الاعتداءات التي نُفذت بحق الفلسطينيين خلال موسم القطاف كانت تحت إشراف الجيش وبحمايته، فلا يمكن الحديث عن حماية يقدمها الاحتلال، بل هو شريك مباشر في كل ما يجري.”
خسارة فادحة
قبل عامين فقط، كانت قيمة إنتاج الزيتون السنوي في فلسطين تُقدّر بـ54 مليون دولار، واليوم لم يعد هناك رقم محدد يمكن قياسه، بعدما انهارت سلاسل التوريد وتراجع الإنتاج بنسبة تفوق 70%.
ويشير داوود إلى أن إنتاج فلسطين من زيت الزيتون كان يصل إلى 33 ألف طن سنويًا، لكنه انخفض في عام الحرب إلى 11 ألف طن فقط، ثم ارتفع الموسم الماضي إلى 16 ألف طن، وهو ما يزال أقل من نصف المعدلات الطبيعية.
كما تراجع عدد المعاصر من 68 إلى 6 فقط، وقل عدد العمال الزراعيين من 14 ألفًا إلى 2000 عامل، فيما انخفض عدد المزارع من 7 آلاف إلى 600 مزرعة فقط، وتوقفت شركات التصدير بالكامل.
أما نسبة الاكتفاء الذاتي، التي كانت تغطي 100% من حاجة السوق المحلي، فقد انهارت إلى 8% فقط، بينما ارتفع سعر الزيت من 500 شيكل إلى 2500 شيكل، نتيجة التراجع الحاد في الإنتاج.
“هذه ليست مجرد خسائر اقتصادية”، يقول داوود، “بل استهداف متعمد للاقتصاد المعيشي الفلسطيني، فموسم الزيتون هو مصدر رزق لآلاف العائلات في القرى الفلسطينية.”
وجوه تصمد رغم الحصار
في القرى الممتدة من جنوب الخليل إلى شمال نابلس، لا يُمكن فصل وجع الأرض عن وجع الإنسان، فالمزارع الذي يذهب إلى حقله اليوم لا يحمل فقط سلة قطف، بل يحمل أيضًا خوفًا دفينًا من أن يعود جريحًا أو ألا يعود.
يقول أحد المزارعين من قرية بورين جنوب نابلس، في شهادة وثقتها الهيئة: “كل عام نذهب للقطاف ونحن نعلم أن المستوطنين سيأتون، لكننا نذهب لأن الأرض أمانة من آبائنا، ولو تركناها اليوم فلن نراها غدًا.”
عنف مفرط.. و400 اعتداء في موسم لم ينتهِ بعد
يؤكد داوود أن هذا الموسم من أصعب المواسم التي مرت على المزارعين الفلسطينيين: “حتى الآن اقتربنا من تسجيل 400 اعتداء مقارنة بـ460 اعتداء خلال الموسم الماضي كله، والموسم لم ينتهِ بعد. ما يميز هذه الاعتداءات هو شدتها واتساعها الجغرافي؛ من أقصى شمال الضفة إلى جنوبها.”
التوثيق كأداة مقاومة
تتعامل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مع الاعتداءات على 4 مستويات:
المتابعة القانونية: رفع قضايا أمام محاكم الاحتلال والمحاكم الدولية.
التوثيق الميداني: جمع صور وفيديوهات وشهادات المتضررين.
دعم الصمود: إعادة زراعة الأشجار المقتلعة وتقديم التعويضات.
التحرك الشعبي: تنظيم حملات قطف جماعي بمشاركة متضامنين فلسطينيين وأجانب.
الأرض تُختطف يومًا بعد يوم
يرى داوود أن استهداف الزيتون ليس اعتداءً عشوائيًا، بل جزء من خطة استيطانية متكاملة: “كل اعتداء على قرية فلسطينية يُمهد لمصادرة الأرض لاحقًا، وحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، تُصادر لاحقًا بحجة أنها مهجورة أو عسكرية.”
الحاجة إلى حماية دولية حقيقية
في ختام حديثه، يؤكد داوود أن الفلسطينيين لا يطالبون بالبيانات أو الإدانات: “نحتاج إلى حماية دولية فعالة. العالم يعرف ما يحدث، لكنه يكتفي بالكلام. لا يمكن وقف الاعتداءات أو الاستيطان دون عقوبات ومواقف صارمة من المجتمع الدولي، ومع غياب ذلك، لم يبقَ أمامنا إلا الصمود في الأرض والثبات فيها.”
ذاكرة باقية رغم العواصف
ورغم الأرقام القاسية والانتهاكات المتكررة، لا تزال شجرة الزيتون، رمز السلام والصمود، تقف شاهدة على مأساة الفلسطينيين، وعلى إصرارهم على البقاء.
من بيت لحم إلى غزة، تتكرر الحكاية ذاتها: عائلة تُعيد زراعة شجرة اقتُلعت بالأمس، وطفل يساعد والده في قطف ما تبقى من الثمار، وأم تضع الزيت في قارورة صغيرة لتكفي فصل الشتاء، كل ذلك ليس مجرد موسم، بل فعل بقاء، ورسالة تقول إن الأرض لمن يزرعها… مهما طال الغياب.