حين يتحول اللقب إلى سلطة: كيف يضلل انتحال «الدكتور» و«الأستاذ» الرأي العام؟
المشكلة ليست في كلمة على الشاشة، بل في الثقة التي تُبنى عليها
قد يمر لقب غير دقيق أسفل اسم ضيف على الشاشة باعتباره خطأً شكليًا، لكن أثره لا يتوقف عند شريط التعريف. فعندما يُقدَّم شخص للجمهور بصفته «أستاذًا دكتورًا» أو «خبيرًا متخصصًا» من دون أساس واضح، فإن اللقب يتحول إلى أداة تمنح كلامه وزنًا إضافيًا، وتؤثر في طريقة استقبال الجمهور لرأيه، وربما في قراراته ومواقفه.
ولا يعني ذلك أن كل استخدام للقب «دكتور» انتحال أو مخالفة. فالطبيب يُخاطب مهنيًا بهذا اللقب، والحاصل على الدكتوراه يحمل درجة علمية، وعضو هيئة التدريس قد يشغل وظيفة مدرس أو أستاذ مساعد أو أستاذ. لكن المشكلة تبدأ عندما تُخلط هذه الصفات، أو تُضاف صفة أكاديمية غير موجودة، أو يُستخدم اللقب لإنتاج انطباع معرفي أكبر من حقيقة المؤهل والخبرة.
اللقب بوصفه «إشارة ثقة»
المشاهد لا يملك دائمًا الوقت أو الأدوات للتحقق من السيرة الذاتية لكل ضيف. لذلك يعتمد على إشارات سريعة: اللقب، والشريط التعريفي، ونبرة المذيع، واسم الجامعة أو المؤسسة المنسوب إليها الضيف.
حين تظهر عبارة «أستاذ دكتور» أو «خبير دولي»، يتلقى الجمهور رسالة ضمنية مفادها أن المتحدث يملك سلطة علمية أو مهنية موثوقة. وقد لا يميز المشاهد بين:
- حاصل على دكتوراه أكاديمية.
- طبيب يستخدم لقب «دكتور» مهنيًا.
- عضو هيئة تدريس بدرجة مدرس أو أستاذ مساعد.
- أستاذ جامعي يشغل رتبة الأستاذ.
- مدرب أو مستشار يستخدم وصفًا غير رسمي.
- شخص يقدم نفسه بصفة لا تثبتها جهة تعليمية أو مهنية.
وتزداد خطورة الأمر عندما يناقش الضيف قضية حساسة تمس الصحة أو الاقتصاد أو التعليم أو الدين أو الأمن الاجتماعي. في هذه الحالات، لا يعود اللقب مجرد تعريف، بل يصبح جزءًا من الحجة نفسها.
من الرأي إلى «الحقيقة»
قد يطرح شخصان الفكرة ذاتها، لكن الجمهور قد يستقبلها بصورة مختلفة تمامًا إذا قُدم أحدهما باعتباره «أستاذًا دكتورًا»، والآخر باعتباره «متحدثًا أو ناشطًا». اللقب هنا يعمل كإطار يسبق مضمون الكلام، فيؤثر في تقييمه قبل مناقشة أدلته.
وهذا يخلق ثلاثة آثار رئيسية:
رفع قابلية التصديق: قد يميل الجمهور إلى قبول الرأي لأن قائله يبدو متخصصًا، لا لأن الأدلة التي قدمها قوية.
إضعاف النقد: يصبح الاعتراض على كلام الضيف، في نظر بعض المشاهدين، اعتراضًا على «العلم» أو «الجامعة»، حتى لو لم يكن المتحدث ممثلًا لهما.
خلط الرأي بالمعلومة: قد تُعرض وجهة نظر شخصية باعتبارها نتيجة علمية أو موقفًا أكاديميًا عامًا.
وهكذا يمكن أن يتحول الخطأ في التعريف إلى تضليل غير مباشر، حتى إذا لم تتضمن الحلقة معلومة كاذبة صريحة.
أثره على القرارات اليومية
لا تبقى آثار اللقب داخل الاستوديو. فقد يؤثر الضيف في قرارات الجمهور المتعلقة بالعلاج، أو الاستثمار، أو تربية الأبناء، أو اختيار مؤسسة تعليمية، أو تبني موقف سياسي واجتماعي.
وفي البرامج الطبية مثلًا، قد يمنح تقديم شخص بصفة «دكتور» انطباعًا بأنه طبيب، بينما قد يكون حاصلًا على درجة أكاديمية في مجال آخر. وفي القضايا الاقتصادية، قد توحي صفة «أستاذ اقتصاد» بأن المتحدث عضو هيئة تدريس في قسم اقتصاد، في حين أن خبرته الفعلية استشارية أو تجارية. وفي النقاشات القانونية، قد يُفهم لقب «أستاذ قانون» باعتباره وظيفة جامعية، بينما لا يكون صاحبه كذلك.
المشكلة ليست في قيمة الخبرة العملية؛ فالخبير المهني قد يقدم إضافة مهمة. لكن الجمهور يستحق أن يعرف طبيعة هذه الخبرة بدقة، لأن الفرق بين «خبير في السوق» و«أستاذ جامعي في الاقتصاد» ليس تفصيلًا لغويًا.
كيف يتضرر النقاش العام؟
عندما يصبح اللقب بديلًا عن الدليل، يتراجع مستوى النقاش العام. فبدل أن يسأل الجمهور: ما مصادر هذه المعلومة؟ وما المنهج الذي بُني عليه الرأي؟ وما حدود الاختصاص؟ قد يكتفي بالسؤال: من قال ذلك؟
وتؤدي هذه الظاهرة إلى:
- منح مساحة أكبر للأشخاص الأكثر قدرة على تسويق ألقابهم، لا الأكثر امتلاكًا للمعرفة.
- تهميش متخصصين حقيقيين يرفضون المبالغة في تعريف أنفسهم.
- انتشار حجج السلطة بدل حجج الدليل.
- تحويل البرامج الحوارية إلى ساحات لاستعراض الصفات لا اختبار الأفكار.
- زيادة الاستقطاب، لأن الجمهور قد يتعامل مع نقد الضيف باعتباره هجومًا على مؤسسة علمية أو مهنية.
- إضعاف ثقة الناس في الألقاب الأكاديمية عندما يكتشفون أنها استُخدمت بلا تدقيق.
وهنا يظهر أثر طويل المدى: إذا اكتشف المشاهد أن لقبًا كبيرًا أُطلق على شخص لا يملك الصفة التي توحي بها الشاشة، فقد يبدأ في الشك في جميع الأكاديميين والخبراء، لا في الحالة محل الخطأ فقط.
الضرر الواقع على الجامعات
الجامعة ليست مجرد خلفية تمنح الضيف هيبة. فالوظائف الأكاديمية في الجامعات المصرية لها درجات ومسارات محددة، من بينها المدرس والأستاذ المساعد والأستاذ، ولا يصبح الشخص «أستاذًا جامعيًا» بمجرد حصوله على الدكتوراه. وينظم قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 ولائحته التنفيذية قواعد شغل وظائف أعضاء هيئة التدريس والترقي بينها.
لذلك، فإن تقديم حاصل الدكتوراه بوصفه «أستاذًا» قد يضعف الفارق بين الدرجة العلمية والوظيفة الأكاديمية. كما أن نسبة شخص إلى جامعة أو قسم من دون تحقق قد تضر بسمعة المؤسسة نفسها، خصوصًا إذا تحدث في موضوعات تخالف المعايير العلمية أو المهنية.
وفي ما يتعلق بالدرجات الصادرة من خارج منظومة الجامعات الخاضعة للقانون، يوضح المجلس الأعلى للجامعات أن لجانه تختص بمعادلة الدرجات العلمية ودبلومات الدراسات العليا الصادرة عن مؤسسات تعليمية غير خاضعة لقانون تنظيم الجامعات. وهذه نقطة مهمة للإعلام: وجود شهادة تحمل اسم «دكتوراه» لا يغني وحده عن معرفة الجهة المانحة وطبيعة الاعتراف بها عند الحاجة.
متى يصبح الأمر انتحالًا؟
ينبغي استخدام مصطلح «انتحال اللقب» بحذر. فليس كل خطأ في كتابة «أستاذ» بدل «أستاذ مساعد» انتحالًا بالمعنى القانوني، وليس كل توسع إعلامي في المجاملة جريمة.
قد يكون الأمر:
- خطأً تحريريًا إذا وقع بصورة عابرة ومن دون قصد، وتم تصحيحه.
- مخالفة مهنية إذا أهملت القناة التحقق، أو كررت تقديم صفات غير صحيحة.
- تضليلًا إعلاميًا إذا كان اللقب مؤثرًا في فهم الجمهور للمحتوى أو في الترويج لخدمة.
- انتحال صفة أو تدليسًا إذا ادعى الشخص عمدًا مؤهلًا أو وظيفة لا يملكها لتحقيق منفعة أو إحداث أثر قانوني أو مادي.
ولا يثبت الوصف الأشد بمجرد اختلاف الصياغة، بل يحتاج إلى فحص الوقائع والأدلة والقصد والنتيجة، وقد تدخل نصوص قانونية مختلفة بحسب الحالة. لذلك لا ينبغي إطلاق اتهامات عامة ضد ضيف أو قناة من دون وثائق واضحة.
مسؤولية القناة أمام الجمهور
يمنح قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018 المجلس الأعلى اختصاص وضع وتطبيق الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام المؤسسات بأصول المهنة وأخلاقياتها، فضلًا عن تقييم الأداء الإعلامي واتخاذ الإجراءات المقررة عند ثبوت المخالفات.
لكن عدم وجود جهة تراجع مسبقًا كل لقب على الشاشة لا يعني غياب المسؤولية. فالقناة هي التي تختار الضيف، وتصوغ تعريفه، وتقرر ما إذا كانت ستضع لقبًا أو وظيفة أو درجة علمية. ولهذا تقع عليها مسؤولية تحريرية مستقلة عن مسؤولية الضيف.
وتبدأ المسؤولية من فريق الإعداد، الذي يجب أن يراجع المؤهل والجهة المانحة والصفة الوظيفية. ثم تنتقل إلى مقدم البرنامج الذي لا ينبغي أن يكرر وصفًا يعلم عدم دقته، وإلى المسؤول التحريري الذي يعتمد المادة النهائية. أما المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فيمكن أن يتدخل عند وجود شكوى أو رصد لمخالفة تدخل في نطاق القانون والمعايير والجزاءات المعمول بها، لا باعتباره مكتبًا يوميًا لتدقيق السير الذاتية.
كيف يستعيد الجمهور حقه؟
المعالجة لا تكون بحظر الألقاب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين اللقب والمعلومة. المطلوب أن تقدم القناة الضيف بصفة واضحة ومحددة، مثل: «مدرس بكلية…»، أو «أستاذ مساعد بقسم…»، أو «طبيب متخصص في…»، أو «باحث في…»، بدل الاكتفاء بعبارة واسعة تمنح انطباعًا لا يمكن قياسه.
كما ينبغي أن تعرض البرامج التخصص الدقيق للضيف، خصوصًا عندما يتحدث في مجال يختلف عن مجاله الأصلي. فحامل الدكتوراه في الإدارة، مثلًا، لا يقدم تلقائيًا كمرجع في الطب، والطبيب لا يصبح خبيرًا في كل القضايا الصحية لمجرد حمله لقبًا مهنيًا.
وإذا اكتشفت القناة خطأً، فإن التصحيح لا ينبغي أن يقتصر على حذف الاسم في إعادة الحلقة. الأفضل نشر تنويه واضح، لأن الجمهور الذي تلقى الانطباع الأول يحق له معرفة التصحيح.
ماذا يجب أن تفعل القنوات؟
- اعتبار اللقب معلومة قابلة للتحقق، لا صيغة مجاملة تكتب تلقائيًا.
- إظهار الدرجة والوظيفة والتخصص منفصلة، مثل: «دكتوراه في… – أستاذ مساعد بقسم…».
- إنشاء سجل داخلي للضيوف يتضمن مصادر موثوقة للمؤهلات والوظائف والاعتمادات.
- منع الألقاب العامة غير المحددة مثل «خبير دولي» أو «أستاذ» ما لم تُذكر الجهة أو الصفة التي تبررها.
- تصحيح أي تعريف غير دقيق على الشاشة، مع حفظ حق الضيف في تقديم مستنداته وحق الجمهور في معرفة الحقيقة.
الخلاصة: الثقة العامة هي القضية
انتحال الألقاب أو استخدامها بلا تدقيق لا يسرق كلمة من صاحبها فقط؛ بل قد يسرق من الجمهور قدرته على التمييز بين المعرفة والادعاء. فالمشاهد لا يرى المؤهل الأصلي غالبًا، ولا يملك وقتًا للتحقق من كل سيرة ذاتية، ولذلك يعتمد على المؤسسة الإعلامية لتقديم صورة دقيقة.
حين تمنح القناة شخصًا لقبًا غير مستحق، فإنها لا تضيف إليه وجاهة فحسب؛ بل تضيف إلى كلامه سلطة قد تؤثر في الرأي العام والقرارات والمواقف. وحين تلتزم بالتعريف الدقيق، فإنها لا تنتقص من الضيف، بل تحميه وتحمي الجمهور وتحافظ على قيمة الألقاب الأكاديمية الحقيقية.
المهنية تبدأ من الاعتراف بأن الاسم واللقب جزء من المحتوى. والسؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا أمام كل شاشة هو: هل نعرض للناس ما قاله الضيف فقط، أم نتحقق أيضًا من الصفة التي تجعلهم يصدقونه؟