في خطوة تاريخية أحدثت صداً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية الدولية، أعلنت لجنة نوبل النرويجية منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للحقوقية والقاضية الدولية المرموقة، القادمة من جنوب إفريقيا، نافي بيلاي (Navi Pillay)، وذلك تكريماً لجهودها الاستثنائية والدؤوبة في ترسيخ سيادة القانون الدولي، والدفاع عن حقوق الإنسان، ومناهضة جرائم الحرب والإبادة الجماعية عبر مسيرة حافلة امتدت لعقود.
ولم يكن تتويج بيلاي بـ “نوبل” مجرد تكريم رمزي لمسيرتها الشاملة، بل يمثل في جوهره انتصاراً للمؤسسات العدلية الدولية و ترسيخاً لنهج ملاحقة الانتهاكات الجسيمة؛ لا سيما بعد قيادتها للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة المعنية بالانتهاكات والجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي التحقيقات والأدلة التي أسست وثبتت قانونياً التكييف الدولي لجرائم الإبادة الجماعية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني
من مناهضة الأبارتهايد إلى قمة العدالة الدولية
تعد نافانيثيم “نافي” بيلاي واحدة من أبرز القامات القانونية والعدلية في العالم خلال القرن الحالي، إذ اختطت مساراً حقوقياً استثنائياً منذ بدايات عملها في جنوب إفريقيا تحت وطأة نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).
ولدت بيلاي في ديربان بجنوب إفريقيا عام 1941، وكانت أول امرأة غير بيضاء تفتح مكتباً للمحاماة في مقاطعة ناتال، لتتولى الدفاع عن المعتقلين السياسيين والمناضلين ضد نظام الفصل العنصري، و التحقت بالعمل القضائي الدولي، حيث كانت أول امرأة تنتخب قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR)، ولعبت دوراً محشورياً في إصدار الحكم التاريخي الذي اعتبر العنف الجنسي في الحروب شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية.
وعينت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي عقب تأسيسها، وشغلت موقعها من عام 2003 حتى 2008، كما تولت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008–2014)، وشهدت ولايتها مواقف صلبة ضد انتهاكات القوى الكبرى وحماية حقوق المظلومين والشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
ملف العدالة لغزة وفلسطين: القاضية التي وثّقت الإبادة الجماعية
وجاء محطة التحقيق في الجرائم المرتكبة بالأراضي الفلسطينية المحتلة لتشكل واحدة من أشرس المعارك القانونية التي خاضتها بيلاي على الإطلاق؛ إذ ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، و واجهت بيلاي ولجنتها حملات هجوم تشويهية وتشكيكية مكثفة من إسرائيل والإدارة الأمريكية، إلا أنها تمسكت بالإجراءات الهيدرولوجية والقانونية الدقيقة الصارمة في توثيق الجرائم.
كما أعدت اللجنة تحت قيادتها تقارير و تقييمات قانونية دقيقة أثبتت قيام إسرائيل بتنفيذ أفعال ترتقي إلى جريمة الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، واستهداف المدنيين والبنية التحتية، و تشكل نتائج التحقيقات التي قادتها بيلاي المرجعية الفنية والقانونية الرئيسية التي اعتمدت عليها جنوب إفريقيا وعدة دول، واستندت إليها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في الملاحقات والقرارات القضائية التاريخية الصادرة بحق القيادات الإسرائيلية.
دلالات الجائزة وصداء التتويج العالمي
أثار منح بيلاي جائزة نوبل للسلام موجة تفاعل واسعة على الساحة الإلكترونية والإعلامية الدولية؛ إذ تصدر الخبر الصفحات الأولى والرئيسية للصحف العالمية الكبرى وفي مقدمتها نيويورك تايمز و واشنطن بوست وسي بي إس نيوز، وكان رأى تحليل مراقبين أن منح الجائزة لشخصية بحجم بيلاي يحمل رسالة إدانة ضمنية وسريعة لكل القوى الدولية والإدارات التي حاولت التغطية على جرائم الحرب أو تحصين إسرائيل من المساءلة والملاحقة القضائية.
وفي أول تعليق لها عقب الإعلان عن فوزها، أكدت بيلاي ببلاغتها المعهودة أنها اندهشت من الحديث عن “شجاعتها”، قائلة: “لماذا يحتاج الإنسان إلى الشجاعة ليقول الحقيقة؟ إن العملية تقضي ببساطة بتطبيق القانون، وفحص كافة الوقائع، لاتخاذ قرار محايد ومستقل”.