أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

هل مصر بلد سياحي؟

 

في الأول من نوفمبر، ومع افتتاح المتحف المصري الكبير، غمرت المصريين مشاعر فخرٍ عارم، وامتلأت القلوب بفرحة وطنية جارفة. بدا الحدث وكأنه لحظة استثنائية تستعيد فيها مصر سرديتها الحضارية، وتُعلن للعالم أنها لا تزال تملك ما يُدهش ويُلهم.

غير أن سؤالًا تسلل إلى وجدان البعض وسط زخم الاحتفال، سؤالٌ بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: هل يُنتظر انتعاش سياحي كبير بعد افتتاح المتحف؟ تساؤلٌ جرَّ خلفه سؤالًا أكثر جوهرية: هل مصر، حقًا، بلد سياحي؟

أخبار ذات صلة

images (3)
ريمونتادا عسكرية في قلب الدفاع الجوي.. الجيش الملكي يُنهي أحلام بيراميدز القارية بسيناريو مثير
IMG_2925
ثائر ديب يكتب عن أمه: شامةُ ثديها رايتي
IMG_2899
وداد نبي تكتب عن أمها: مرثية لزمنٍ لن يعود

أن تمتلك مصر آثارًا لا مثيل لها، وتاريخًا يسبق التواريخ، لا يعني بالضرورة أنها بلد سياحي.

السياحة ليست في امتلاك المحتوى، بل في طريقة تقديمه وتسويقه، في قدرة البلد على تحويل كنوزه إلى تجربة إنسانية متكاملة، يشعر فيها الزائر بالدهشة والاحترام والانتماء المؤقت إلى حضارة لا تزال تنبض بالحياة.

الآثار المصرية منتشرة في متاحف العالم، بل وحتى في ميادين العواصم الكبرى، حيث تزين المسلات المصرية شوارع باريس ولندن وروما.

ما يميز مصر ليس فقط القطعة الأثرية، بل المشهد الطبيعي الذي تحتله، والروح التي تسكنها. أن ترى الهرم وسط الصحراء، أو أن تمشي بين أعمدة الكرنك تحت شمس الأقصر، أو أن تقف أمام أبو سمبل على ضفاف النيل، تلك لحظات لا تُستنسخ.

لكنها لحظات مهددة، حين يُحاصر السائح بالمضايقات، أو يُستغل في الأسعار، أو يُمنع من الاستمتاع بلحظته بسبب غياب التنظيم واستفحال الممارسات الطفيلية.

أن تكون بلدًا سياحيًا يعني أن تُحسن تقديم نفسك للعالم. أن يجد السائح مواصلات عامة آمنة وواضحة، أن يتمكن من دخول دورات مياه عمومية نظيفة، أن يتنقل بحرية دون خوف أو ارتباك، أن يجد لوحات إرشادية ومعلومات بلغات متعددة، وخدمات رقمية تسهّل عليه رحلته.

السياحة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، من لحظة الوصول وحتى لحظة المغادرة، من نظافة الشارع إلى ابتسامة الموظف، من وضوح الأسعار إلى احترام الوقت.

لا يمكن لبلد أن يزدهر سياحيًا إذا كان السائح يُعامل كفرصة للربح السريع. الأسعار يجب أن تكون واضحة، والخدمات منظمة، والمضايقات ممنوعة.

السائح يجب أن يشعر أنه مرحّب به، لا أنه محاصر. فالسياحة ليست فقط في الآثار، بل في الناس، في السلوك، في الكلمة الطيبة، في النظرة التي تقول: “أنت ضيف على حضارة نحترمها ونحميها”,

السائح لا يأتي فقط ليرى، بل ليشعر. يأتي ليعيش لحظة مصرية خالصة: في الموسيقى التي تنبعث من المقاهي، في طعم الفول والطعمية، في الحكايات التي يرويها المرشدون، في دفء الناس.

الهوية السياحية لا تُصنع في المؤتمرات، بل في الشارع، في السوق، في تفاصيل الحياة اليومية. أن يشعر الزائر أن مصر لا تكتفي بأن تقول له “انظر”، بل تدعوه ليقول: “لقد عشت مصر”.

السياحة ليست قطاعًا هامشيًا، بل يمكن أن نحولها إلى رافعة اقتصادية وثقافية. تحتاج ألو ما تحتاج إلى رؤية طويلة المدى، إلى تدريب الكوادر، إلى حماية المواقع، إلى تسويق ذكي يربط بين الماضي والحاضر.

لا يكفي أن نُبهر العالم بتاريخنا، بل يجب أن نُقنعه بأننا نحترم هذا التاريخ ونحسن استقباله. لا يكفي أن نفتح المتاحف، بل يجب أن نفتح العقول والقلوب.

في السياق العربي، تبرز الإمارات كنموذج متقدم للسياحة الحديثة، حيث استقبلت نحو 12.9 مليون سائح في 2023، بفضل بنيتها التحتية الفائقة، وأمنها، وتنوع فعالياتها التجارية.

المغرب بدوره يُعد رائد السياحة الإفريقية، إذ جذب أكثر من 14.5 مليون سائح في نفس العام، مستفيدًا من مدنه العتيقة كفاس ومراكش، وتراثه الأندلسي، وصحرائه الممتدة، وضيافته الأصيلة.

أما تونس، فرغم التحديات الاقتصادية والسياسية، لا تزال تحافظ على حضور سياحي معتبر، حيث استقبلت قرابة 9 ملايين سائح في 2023، بفضل شواطئها المتوسطية، ومواقعها الرومانية، وتقاليدها الثقافية المتنوعة.

هذه الدول، لا يمكن مقارنتها بأي حال بمصر موقعا وتاريخا ودورًا، وقوى ناعمة، إلا انها رغم اختلاف نماذجها، تشترك في أنها أدركت أن السياحة لا تقوم على المنتج وحده، بل على طريقة تقديمه، وعلى بناء تجربة تحترم الزائر وتُشعره بأنه ضيف على الرحب والسعة وحسن التعامل.

أما مصر، التي تملك المقومات كلها، تبقى بحاجة إلى مشروع وطني يعيد تنظيم هذا الكنز، ويصونه من الفوضى التي تُهدر قيمته.

أول ما نحتاجه في هذا الصدد أن نُعيد تدريس التاريخ لا كوقائع جامدة، بل كوعي حيّ، كمرآة يرى فيها الطالب نفسه، وبلده، ومكانته في العالم. حين يدرك الطفل منذ صغره أن هذه الأرض التي يمشي عليها كانت مهد حضارات، وأن أجداده هم من شيدوا المعابد وكتبوا اللغة ونحتوا الزمن في الحجر، فإنه يكبر وهو يحمل في داخله شعورًا بالمسؤولية، لا بالاستعراض.

ذلك الوعي هو الذي يصنع شعبًا يعرف قيمة السياحة، لا بوصفها مصدر دخل، بل بوصفها شهادة احترام من العالم لحضارته وتحضره. فالسائح الذي يزور مصر لا يأتي فقط ليرى، بل ليقول: “أنا أعترف بعظمة هذا المكان” تاريخًا وحاضرًا”.

السياحة، في جوهرها، هي مرآة تعكس كيف يرى الآخرون تاريخنا، لكنها تبدأ أولًا من كيف نراه نحن.

افتتاح المتحف المصري الكبير كان لحظة احتفال، نعم، لكنه أيضًا دعوة للتأمل.

دعوة لأن نعيد النظر في علاقتنا بتاريخنا، وفي قدرتنا على تحويله إلى مستقبل. فالمتحف، بكل عظمته، لا يجب أن يكون نهاية الحكاية، بل بدايتها. بداية مشروع وطني يعيد لمصر دورها، وألقها في الحاضر على كل المستويات.

والمهم أن نتعلم درس أن السياحة لا تبدأ من المطار، بل من الصف الأول الابتدائي.

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم

أقرأ أيضًا

bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب