ليس من السهل الكتابة عن شخص اختار أن يكون حاضرا بلا تفاصيل، و معروفا بلا سيرة شخصية، أبو عبيدة المتحدث العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، هو واحد من تلك الشخصيات التي صنعت تأثيرها من المسافة، لا من القرب، ومن التوقيت، لا من الظهور الدائم.
ورغم أن “القسام” صنعت صواريخ يغطي مداها جميع الأراضي المحتلة، مثل “عياش 250” بمدياته التي تصل إلى 250 كم، إلا أن صوت “أبوعبيدة” وبياناته كانت ربما أسرع وصولا إلى تل أبيب، وأشد وقعا، في رمزية تكشف بالتأكيد حجم مكانته، إعلاميا وعسكريا.
اسم حركي وسرية مقصودة
منذ ظهوره الأول، استخدم أبو عبيدة اسما حركيا، في إطار سياسة واضحة تتبعها كتائب القسام بعدم الكشف عن الهويات الحقيقية لقياداتها العسكرية أو الإعلامية.
وعلى مدار السنوات، تداولت وسائل إعلام أسماء نسبت إليه، لكن لم يكن هناك تأكيد رسمي طويلاً، ما أبقى شخصيته في نطاق الدور، لا الفرد.
هذه السرية لم تكن تفصيلا ثانويا، بل جزءًا من ثقافة تنظيمية ترى أن حماية الأشخاص تبدأ بتقليل المعلومات عنهم.
متحدث لا يظهر كثيرًا
أبو عبيدة ليس من الشخصيات التي تظهر باستمرار، غالباً ما يخرج في: لحظات الحرب، أو عند تحولات ميدانية كبيرة، أو للرد على أحداث مفصلية، غيابه الطويل لا يقرأ كاختفاء، بل كجزء من إدارة الخطاب فحين يتكلم، يكون لما يقول وزن، وحين يصمت، يكون الصمت نفسه رسالة.
لغة بسيطة.. لكنها محسوبة
ما يميز خطاب أبو عبيدة هو البساطة المنضبطة: لا خطابة زائدة، لا انفعال ظاهر، لا لغة عاطفية مبالغ فيها، يتحدث بجمل قصيرة، مباشرة، غالباً خالية من الزخرفة هذا الأسلوب جعله: مفهوماً لدى الجمهور العادي، وقابلا للتحليل لدى الإعلام، و مقلقاً لدى الطرف الآخر، ليس لأنه يهدد كثيرًا، بل لأنه لا يتحدث إلا حين يكون هناك ما يستند إليه.
كيف يراه الإعلام الإسرائيلي؟
يتعامل الإعلام الإسرائيلي مع بيانات أبو عبيدة باعتبارها: مؤشرا على المزاج الميداني، أو رسالة ردع، أو محاولة للتأثير على الجبهة الداخلية
ولهذا تتابع تصريحاته وتحلل مفرداته وتوقيتها، حتى وإن حاولت بعض المنصات التقليل من أهميته علنا.
شائعات تتكرر.. وصمت ثابت
ارتبط اسم أبو عبيدة على مدار السنوات بشائعات متعددة عن:استهدافه، إصابته، أو غيابه النهائي، لكن اللافت أن الرد لم يكن غالباً مباشرا.
لا بيانات نفي مستعجلة، ولا سجالات إعلامية، وفي أحيان كثيرة، كانت الوقائع اللاحقة وحدها كافية لإنهاء الجدل.
هذا الأسلوب يعكس قناعة واضحة: ليس كل ما يقال يستحق ردا.
المتحدث كدور لا كشخص
داخل كتائب القسام، ينظر إلى موقع المتحدث العسكري باعتباره وظيفة تنظيمية أكثر منه بطولة فردية.
الخطاب له قواعد، واللغة لها حدود، والدور أكبر من الشخص، هذا ما جعل صورة أبو عبيدة تتجاوز ملامحه لتصبح: رمزاً للثبات لدى أنصاره، ومصدر قلق لدى خصومه، ونقطة جذب إعلامي دائم.
لماذا يلقى هذا الاهتمام؟
لأن أبو عبيدة: لا يكثر من الكلام، لا يغير خطابه بتغير المزاج العام، لا يظهر للجدل، بل للرسائل، ومع مرور الوقت، تحول إلى صوت مألوف في لحظات غير مألوفة، ينتظره الناس لا بدافع الفضول، بل بحثا عن فهم ما يجري.
الصورة والرمزية
أي تطور يتعلق بظهوره أو صورته أو صوته لا يقرأ كحدث شكلي، بل كجزء من إدارة الرمزية، ففي حالة مثل أبو عبيدة، كل تفصيلة، حتى الصمت، محسوبة.
أبو عبيدة لم يصنع حضوره بالظهور، بل بالغياب المدروس واليوم، مع نشر صورته لأول مرة، ينتقل من مرحلة الصوت المجهول إلى مرحلة الرمز المعلن، دون أن يفقد الغموض الذي صنع تأثيره.