ما فعلته أحزاب ما يُسمّى بـ “الحيّز المتاح” لم يعد خافيًا على أحد، بل أصبح اليوم واضحًا وجليًا لكل من يملك الحد الأدنى من الوعي السياسي، نحن أمام مسار بدأ منذ زمن بارتكاب مغالطة كبرى، مغالطة سياسية فادحة، تمثّلت في تصدير رواية مضلِّلة للرأي العام، مفادها أن ما جرى هو “تحالف انتخابي” لا “تحالف سياسي” مع أحزاب الموالاة.
وجاء ذلك في الوقت نفسه الذي استُحدث فيه شكل سياسي شاذ، لا يعرفه العالم، يتمثل في أحزاب لا تمارس أي دور سياسي حقيقي، سوى التصفيق للسلطة، واختزال الوطن في الحكومة، والدولة في النظام الحاكم، وهي مغالطة بدائية يدرك بطلانها من لا يزال يحبو في علوم السياسة، إذ أن الدولة كيان أشمل وأبقى وأكبر من أي سلطة حاكمة.
ورغم ذلك، تبنّت أحزاب الحيّز المتاح هذه الرواية الزائفة، مدّعية أن الأمر لا يتجاوز تحالفًا انتخابيًا، في مغالطة ثانية لا تقل فداحة عن الأولى، وكأن هذه الأحزاب تجهل – أو تتجاهل – أن التحالفات الانتخابية ليست إلا نتاجًا طبيعيًا لتحالف سياسي، أو على الأقل توافق واسع في الرؤى والمنهج والموقف من قضايا الحكم والدولة.
نحن، إذن، أمام نمط جديد من الممارسة السياسية، يمكن توصيفه بلا تردّد بأنه دجل سياسي. دجل لا يقتصر خطره على إفساد الواقع السياسي الراهن، بل يمتد ليصنع مآلات شديدة الخطورة على مستقبل السياسة في مصر.
ولو تتبّعنا سلوك هذه الأحزاب ومواقفها العملية، سنصل إلى نتيجة واضحة: هذه ليست أحزاب معارضة، بل أدوات لتسويق رواية السلطة، ولكن بواجهة مختلفة، تتزيّن بملامح معارضة شكلية، وتُجري بعض المناورات والتوازنات التي لا تمس جوهر المشهد.
وكانت الانتخابات الأخيرة شاهدًا فاضحًا على هذا المسار، حين حصلت هذه الأحزاب على النسبة الأكبر من مقاعدها عبر قائمة مشبوهة، فقدت مشروعيتها السياسية والشعبية، ولم تعد تعبّر عن إرادة حقيقية للناخبين، بقدر ما تعبّر عن إعادة إنتاج مشهد مغلق.
إن هذه الأحزاب، بهذا المسار، تطعن في ظهر أي أمل في مستقبل سياسي حقيقي، وتُفرغ فكرة التعددية من مضمونها، وتحوّل السياسة إلى مسرح زائف. صحيح أن داخل هذه الأحزاب أفرادًا يستحقون الاحترام والتقدير، لكن المسار السياسي العام الذي اختارته لا يمكن الدفاع عنه ولا احترامه.
لأنهم، ببساطة، لا يفسدون الواقع فقط.. بل يفسدون المستقبل أيضًا.
ولو قمنا باستقراء المستقبل استنادًا إلى أداء هذه الأحزاب، حاضرًا وماضيًا، فسنصل إلى نتيجة لا تحتمل اللبس: في كل لحظة وطنية فارقة، وفي كل محاولة جادة للمّ شمل المعارضة والتيار المدني في مصر، ستقف هذه الأحزاب – كما فعلت من قبل – في موقع الخنجر المغروس في ظهر التيار المدني.
فهي لم تكن يومًا جزءًا من الحل، ولا رافعة لأي مسار وطني جامع، بل كانت دائمًا عامل تفتيت وإرباك، تُجهض محاولات التوافق، وتُفرغ أي جهد وحدوي من مضمونه، ثم تُقدَّم للرأي العام باعتبارها «معارضة مسؤولة»، بينما هي في الواقع معارضة مُضلِّلة.
ومن هنا، فإن اللحظة السياسية الراهنة تفرض على الحركة المدنية مراجعة جذرية وصريحة لمسارها، تبدأ بإعادة تعريف ذاتها سياسيًا، وبالتحرر من وهم الشراكة مع أحزاب ثبت بالتجربة أنها عبء على أي مشروع وطني ديمقراطي. لقد آن الأوان لأن تلفظ الحركة المدنية هذه الأحزاب خارج صفوفها، وأن تعيد لَمْلَمة نفسها على أساس سياسي واضح، وموقف أخلاقي صريح، لا يقبل التواطؤ ولا الالتباس.
كما بات لزامًا على الوسط السياسي، وبشكل معلن لا يحتمل التأويل، أن يعترف بأن هذه الكيانات ليست أحزاب معارضة، بل أحزاب مُضلِّلة، مارست تزييف العمل السياسي، وصدّرت الإحباط إلى المجتمع، وشجّعت الانتهازيين على انتهازيتهم، والمضلِّلين على ضلالهم، حتى بات وجودها أحد معوّقات استعادة السياسة لمعناها ودورها الحقيقي.
*إسلام بهي الدين
كاتب سياسي