دخل العراق في موجة جديدة من التحديات الاقتصادية والطاقة بعد توقف إمدادات الغاز الطبيعي من إيران، المصدر الذي يغطي نحو ثلث احتياجات البلاد من الكهرباء.
الانقطاع المفاجئ لم يكن مجرد مشكلة فنية أو تقنية، بل كشف هشاشة الاعتماد على مورد واحد للطاقة، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات عن استقرار الشبكة الكهربائية، واستمرارية الصناعات، وقدرة الحكومة على مواجهة أزمة مفاجئة في منتصف الشتاء.
في الوقت الذي تراقب فيه القوى الإقليمية والدولية الوضع عن كثب، تبدو الأزمة فرصة للعراق لإعادة النظر في سياساته الطاقوية وتنويع مصادر الطاقة بشكل استراتيجي.
حجم الاعتماد على الغاز الإيراني
قال الدكتور محمد صلاح السبكي، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، إن العراق يعتمد على الغاز الإيراني بنسبة تتراوح بين 30 و40% في توليد الكهرباء، خاصة بمحطات الوسط والجنوب، ما يجعل توقف الإمدادات عامل ضغط واضحًا على منظومة الطاقة.
وأكد السبكي لـ”القصة” أن توقف الغاز لا يمثل أزمة مستعصية في الوقت الحالي، لكنه يشكل ضغطًا مؤقتًا يمكن احتواؤه إذا لم يطل أمده، محذرًا من أن استمرار التوقف لفترة طويلة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، خاصة خلال فترات الذروة.
التداعيات على الكهرباء والصناعة
وأوضح أن قطاع الكهرباء هو الأكثر تضررًا من توقف الغاز، يليه القطاع الصناعي، بينما ينعكس التأثير على المواطنين من خلال زيادة محتملة في ساعات انقطاع التيار، لافتًا إلى أن الحكومة تسعى لتقليل هذه التداعيات عبر حلول تشغيلية مؤقتة.
البدائل المتاحة والقيود
وأشار السبكي، إلى أن البدائل المتاحة حاليًا تشمل زيادة الاعتماد على الوقود السائل ورفع كفاءة الإنتاج المحلي من الغاز، إلى جانب الاستيراد المحدود من مصادر أخرى، مؤكدًا أن هذه الحلول قابلة للتنفيذ على المدى القصير، لكنها أعلى تكلفة وأقل كفاءة.
الاستثمار والبنية التحتية على المدى المتوسط
وأضاف أن تقليل اعتماد العراق على الغاز الإيراني بشكل حقيقي يحتاج إلى 3 إلى 5 سنوات من العمل والاستثمار في البنية التحتية، مؤكدًا أن الاعتماد على مصدر واحد للطاقة يمثل مخاطرة استراتيجية.
تحويل الأزمة إلى فرصة
واختتم السبكي تصريحاته بالتأكيد على أن أزمة الغاز الحالية قد تتحول من تحدٍ قصير الأمد إلى فرصة لإعادة هيكلة سياسة الطاقة في العراق وتنويع مصادرها إذا جرى التعامل معها بشكل مدروس.
تداعيات توقف الغاز الإيراني على الكهرباء
ومن جانبه، قال الدكتور مختار غباشي، المحلل السياسي لـ”القصة”، إن توقف الغاز الإيراني عن العراق يشكل ضغطًا محدودًا على قطاع الكهرباء، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الغاز الإيراني لا يتجاوز نحو 35% من احتياجات الطاقة الكهربائية في البلاد.
وأكد أن هذا الانقطاع يعتبر توقفًا مؤقتًا يمكن التعامل معه، وأن استئناف الإمدادات متوقع في أي وقت، بما يخفف من التأثير على استقرار الطاقة.
استقرار العراق والعلاقات مع إيران
وأشار غباشي إلى أن العلاقات بين العراق وإيران تمتاز بالأهمية والخصوصية السياسية، مؤكدًا أن التشابكات الاستراتيجية بين البلدين تمنع حدوث تأثير كبير على الوضع الداخلي.
وقال إن وجود علاقات قوية بين بغداد وطهران، إلى جانب الترتيبات السياسية المحلية، يجعل احتمالية تصاعد الأزمة محدودة.
التحركات الدبلوماسية وإدارة الأزمة
وأكد أن العراق يتعامل مع الأزمة بأسلوب دبلوماسي مدروس، وأن البلاد تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة بعد المملكة العربية السعودية، ما يقلل من أي تأثير طويل الأمد لتوقف الغاز الإيراني.
وأضاف أن العلاقات الثنائية بين البلدين تضمن استمرارية الإمدادات ومنع حدوث توتر سياسي أو اقتصادي كبير.
دور القوى المحلية والمليشيات
قال غباشي، إن المليشيات المحلية في العراق، مثل الحشد الشعبي، لها دور مؤثر في المشهد السياسي الداخلي، حيث تساهم في تحديد مجريات بعض القرارات الحكومية.
وأكد أن هذه التشابكات تجعل من الصعب أن تتحول أزمة الغاز إلى أزمة سياسية عميقة، نظرًا للارتباط الوثيق بين هذه القوى وإيران على المستوى الاستراتيجي.
تنويع مصادر الطاقة واستراتيجيات المستقبل
وأكد غباشي أن الأزمة الحالية قد تدفع العراق إلى تنويع شركائه في مجال الطاقة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد.
وأضاف أن البدائل موجودة، بما في ذلك التوجه إلى استيراد الغاز من دول أخرى مثل الجزائر، التي تمثل نحو 10% من الإنتاج العالمي، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي وزيادة كفاءة الطاقة. وقال إن الهدف من هذه الخطوة هو تحويل التحدي المؤقت إلى فرصة استراتيجية طويلة الأمد.
أزمة مؤقتة وتحدٍ قابل للإدارة
واختتم غباشي تصريحاته بالتأكيد على أن أزمة الغاز الإيراني تعتبر مؤقتة وتحديًا محدودًا، وأن العراق يمتلك الإمكانيات الإنتاجية والاحتياطيات النفطية لمواجهة الانقطاع، مع قدرة البلاد على إدارة الوضع عبر التنويع الاستراتيجي والسياسات المدروسة، ما يضمن استقرار الطاقة واستمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين.