في بلد واحدة هناك من يعد طعامه بالجنيهات، ومن يختار قهوته بعناية في أحد المراكز التجارية اللامعة، هذا المشهد، الذي أصبح جزءًا من واقعنا اليوم، لم يكن صدفة، ولم يكن بعيدًا عن خيال أسامة أنور عكاشة، الكاتب الذي صاغ ملامح مصر كأنها بطل حقيقي في أعماله، تنبأ من خلال شخصياته بالتحولات الاجتماعية التي عاشها المجتمع بعد رحيله بسنوات.
من “سليمان غانم” الذي خرج من الفقر إلى الثراء والنفوذ، إلى “زهرة” التي جسّدت في الراية البيضاء المال عندما أصبح سلطة تفرض حضورها على الوعي، كانت أعمال عكاشة كلها تصور وطنًا يتبدل من داخله.
لم يكتب عن الماضي بقدر ما كتب عن المستقبل القريب، عن اللحظة التي تنهار فيها الطبقة الوسطى، ويتحول فيها المجتمع من فكرة “الكل معًا” إلى “كلٌّ يبحث عن نجاته الخاصة”.
أسامة أنور عكاشة لم يكن كاتب دراما فقط، بل كان مؤرخًا إنسانيًا بلغة الفن. في كل حوار من حواراته كان هناك موقف، وفي كل مشهد كان هناك وعي، وعندما قال على لسان أحد أبطاله: “من يملك يحكم، ومن لا يملك يسمع الكلام”
كانت تلك الجملة بعد سنوات عنوانًا لحالة اجتماعية كاملة يعيشها الناس اليوم.
في زمن تتراجع فيه المعاني أمام المظاهر، تظل كلمات عكاشة شاهدة على زمنٍ كانت فيه “القيمة” أغلى من “الثمن”، وكانت مصر التي كتب عنها وطنًا يجمع أبناءه لا يفرقهم.
عبد الباسط: عكاشة لم يكن يروي الواقع بل يستشرف المستقبل
أكد الناقد الفني محمد عبد الباسط أن الحديث عن “نبوءة” أسامة أنور عكاشة ليس مبالغة، بل هو توصيف دقيق لطبيعة المبدع القادر على قراءة واقعه بعمق وصدق، موضحًا أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن الواقع، بل ينطلق منه نحو المستقبل. وأشار إلى أن كل قراءة فنية صادقة للواقع تحمل بالضرورة استشرافًا لما هو قادم، وهو ما ميّز أعمال عكاشة التي لم تكتفِ برصد اللحظة، بل رسمت ملامح التحولات الاجتماعية والإنسانية التي نعيشها اليوم.
وأوضح عبد الباسط، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، أن عبقرية أسامة أنور عكاشة تكمن في قدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين الإبداع والرسالة، فهو لم يتعامل مع الدراما كمنتج جمالي فحسب، بل كأداة وعي ومسؤولية تجاه المجتمع. وأضاف أن العمل الإبداعي الحقيقي هو الذي يجمع بين الخيال والوعي، بين المتعة الفنية والمضمون القيمي، وهو ما تجسّد بوضوح في أعمال عكاشة التي جمعت بين صدق الفن وعمق الرسالة الاجتماعية.
التحولات الطبقية بين “مصر” و”إيچبت”
وتطرق عبد الباسط، إلى مفهوم الانقسام الاجتماعي الذي تنبأ به عكاشة قبل عقود، مشيرًا إلى أن التفرقة بين “مصر” و“إيچبت” في الواقع المعاصر ليست سوى تجسيد لما حذّر منه في نصوصه. وأكد أن تلك التحولات ليست مجرد مظاهر اقتصادية، بل تعكس أزمة اجتماعية وسياسية متراكمة، رأى عكاشة ملامحها مبكرًا، فحوّلها إلى دراما إنسانية تنبض بالوعي والتحذير من مستقبل يتسع فيه الفارق بين الطبقات حتى يصل إلى حدود “الكارثة”.
رسالة خالدة
واختتم عبد الباسط حديثه مؤكدًا أن أسامة أنور عكاشة لم يكن مجرد كاتب درامي، بل كان “أستاذ الدراما” بحق، لأنه استطاع أن يقرأ الواقع، ويستشرف المستقبل، ويقدّم للمجتمع دروسًا في الوعي والتحليل من خلال الفن. مشيرًا إلى أن قيمته لا تكمن فقط في ما كتب، بل في ما تركه من بصيرة فكرية ما زالت صالحة لفهم ما نعيشه اليوم.
اليوم، بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على رحيله، تبدو نبوءته وكأنها تتحقق أمام أعيننا، مجتمع يتغير ببطء وتتسع فيه الفجوة بين من يملكون كل شيء ومن فقدوا حتى القدرة على الحلم، مصر التي كتب عنها عكاشة كانت ساحة واحدة يتشارك فيها الجميع الملامح والهموم، أما “إيچبت” المعاصرة فقد انقسمت إلى صورتين: مدينة تندفع نحو الاستهلاك والحداثة، وريف يحاول بشق الأنفس أن يحافظ على ملامحه القديم
الخولي: عكاشة قرأ الواقع فاستشرف المستقبل
أكد الدكتور حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع، أن الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة امتلك وعيًا اجتماعيًا وعلميًا فريدًا من نوعه، نابعًا من خلفيته الأكاديمية في علم الاجتماع والتاريخ، ما منحه قدرة خاصة على تحليل المجتمع المصري وتشريح طبقاته من الداخل. وأوضح أن عكاشة لم يكن مجرد كاتب درامي، بل مفكر يستلهم من الواقع مادته الأولى، ويحوّلها إلى دراما تنبض بالحياة، تجمع بين المعرفة العلمية والخيال الفني.
وأشار الخولي، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، إلى أن تناول عكاشة، لفكرة التمايز الطبقي لم يكن انعكاسًا محدودًا لواقع مصر في زمنه، بل قراءة عميقة لطبيعة المجتمعات البشرية عبر التاريخ. فالقضية الطبقية كما أوضح ليست حكرًا على مصر، بل سمة عالمية عرفتها المجتمعات الأوروبية منذ الثورة الفرنسية وحتى اليوم. ومن هذا المنطلق، استطاع عكاشة أن يربط المحلي بالعالمي، وأن يعرض من خلال شخصياته مأساة الفوارق الطبقية باعتبارها جرحًا إنسانيًا يتجاوز الزمان والمكان.
وأكد الخولي، أن الدراما التي قدمها أسامة أنور عكاشة أسهمت في تشكيل وعي طبقي واجتماعي متدرج داخل المجتمع المصري، إذ اختلف أثرها باختلاف المتلقي، لكنها ظلت نافذة مضيئة أثرت في وجدان المشاهدين وساهمت في ترسيخ الوعي النقدي. وختم حديثه بالقول إن عكاشة كان يحذر، من خلال أعماله، من خطورة الاستقطاب الطبقي الحاد، الذي يجعل طبقة في القمة وطبقة أخرى في القاع، وهو ما تجلى بوضوح في أعماله الخالدة مثل ليالي الحلمية، التي جسدت صراع الطبقات واهتزاز القيم في رحلة المجتمع المصري المعاصر.
بين الصورة والواقع.. الفجوة التي تحولت إلى تمزق
قال المخرج رامي عبد الخالق، إن شخصيات أسامة أنور عكاشة لم تكن مجرد انعكاس مباشر للمجتمع، بل كانت تمزج بين الواقع والرمز، فهي في ظاهرها شخصيات نعرفها ونعيشها، وفي عمقها تجسيد لقيم أكبر مثل العدالة والضمير والطموح والمثالية، ومحاولات الفرد الدائمة لمواجهة التحولات الاجتماعية الكبرى. وأضاف أن عكاشة ظل مشغولًا بسؤال القدرة على التغيير، فشخصياته تكررت في صور متعددة؛ من “أبو العلا البشري” إلى “ضمير أبلة حكمت”، بين فارس يحاول إنقاذ مدينته الفاضلة وبين من يُتهم بالجنون حين يرفض الانصياع للواقع الفاسد.
وأشار عبد الخالق، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، إلى أن المخرجين الذين تعاملوا مع نصوص عكاشة استطاعوا، رغم محدودية الإمكانيات الإنتاجية في تلك الحقبة، أن يترجموا الفجوات الطبقية بصريًا داخل الصورة الدرامية؛ فـ”ليالي الحلمية” مثلاً كانت نموذجًا تشريحيًا حادًا للطبقات الاجتماعية، من قصور الباشوات وفلل البرجوازية إلى بيوت الطبقة المتوسطة وأحياء الطبقة الشعبية، وهو ما تكرر أيضًا في أعمال مثل “أرابيسك” و”كناريا وشركاه”، حيث انعكست الفوارق الاجتماعية في المشهد البصري نفسه، من الأثاث والملبس إلى الإضاءة وزوايا التصوير.
واختتم حديثه بالتأكيد، أن الفجوة الطبقية التي تنبأ بها أسامة أنور عكاشة بلغت اليوم أقصى مداها، بل تجاوزت حدود التفاوت إلى تمزق اجتماعي كامل، مشيرًا إلى أن الطبقة المتوسطة التي كان يحذر من تآكلها تكاد تكون قد تلاشت تمامًا. وقال إن ما يحدث الآن من اتساع غير مسبوق للفجوة بين الطبقات ليس إلا تحققًا لما حذر منه الكاتب الراحل، بفعل تحالف رأس المال مع السلطة وسوء توزيع الثروات، حتى باتت مصر بين طبقتين فقط: طبقة عليا محدودة، وطبقة شعبية مسحوقة.
ويبقى أسامة أنور عكاشة حاضرًا، ليس فقط في الذاكرة الفنية، بل في الوعي الجمعي كصوتٍ سبق زمانه، ورأى ما لم يره غيره. كتب عن مصر وهي تحلم، ورآها وهي تفقد الحلم، وترك لنا درسًا خالدًا: أن من يكتب عن الإنسان بصدق، يظل حيًّا مهما غاب صوته.