في قطاعٍ أنهكته الحرب، لم يعد التعليم مجرد حق بل محاولة للبقاء، ففي غزة، حيث نصف السكان من الأطفال، تتكثف المأساة في ملامح الصغار الذين يحملون حقائب ممزقة، يجلسون على البلاط وسط مراكز الإيواء، بينما تتداخل أصوات القصف القديمة مع أصوات المعلمين في الدروس الطارئة.
عامان بلا مدارس.. وجيل لا يقرأ ولا يكتب
يشير عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي للأونروا خلال حديثه إلى موقع “القصة”، إلى صدمة غير مسبوقة في سجل التعليم الفلسطيني قائلاً: “بسبب الحرب في قطاع غزة كان هناك حوالي 650 ألف طالب هؤلاء حرموا من التعليم لمدة عامين تقريبا ولكن قبل ذلك كانت هناك إشكالية أيضا أنه قبل ذلك كان هناك عامان من الكورونا لذلك قد نجد بعض الأطفال في قطاع غزة يعني أعمارهم قد تصل إل 10 سنوات وهم لا يعرفون القراءة ولا الكتابة”.
4 أعوام متواصلة من الانقطاع التام عن الدراسة جعلت آلاف الأطفال بلا مهارات أساسية، وخلقت فجوة تعليمية خطيرة تهدد مستقبل جيل كامل.
تعليم على البلاط.. ودروس في الخيام
ورغم الانهيار، تمكنت الأونروا هذا العام من إعادة 300 ألف طفل إلى نوع من العملية التعليمية — وإن كانت بعيدة جدًا عن شكلها الطبيعي.
ويضيف أبو حسنة: “طبعا لا توجد مقاعد دراسية ولكن في داخل مراكز الإيواء على البلاط كما يسمونها.. وفي بعض الخيام أيضا.. معظم هؤلاء الطلاب 300 ألف طالب يتم عبر التعليم عن بعد ولكن هناك حوالي 40 ألف طالب في التعليم الوجاهي”.
هذه الأرقام تكشف حجم الفجوة: نصف مليون طفل ما يزالون خارج أي نظام تعليمي.
مدارس مُدمرة بنسبة 92%.. وقطاع بلا مبانٍ
تدمير البنية التعليمية شكل صدمة أخرى، يوضحها أبو حسنة: “92% من المدارس التابعة للأونروا أو غير الأونروا تم تدميرها تدميرا كاملا أو جزئيا”.
كما تؤكد إيناس حمدان، القائم بأعمال مسؤولة الإعلام بالأونروا في غزة لـ “القصة” أن: “معظم المباني المدرسية في قطاع غزة تضررت بسبب القصف خلال الحرب، حوالي ٩٧ ٪ من مدارس قطاع غزة تضررت إما جزئيا او كليا لم تعد مدارس لم تعد مباني لم يعد هناك ما يفتح أو يُرمم.
صدمة نفسية عميقة.. ونصف مليون طفل يحتاجون دعما عاجلا
تقول “حمدان”: “نصف سكان قطاع غزة هم من الأطفال… مئات الآلاف منهم تعرضوا الى صدمات نفسيه واضطرابات عقليه… وقدمنا منذ السابع من اكتوبر 2023 حتى الان اكثر من 850,000 استشاره نفسيه معظمها للأطفال”.
وتؤكد: “هناك حوالى مليون طفل في قطاع غزة تعرض معظمهم لاضطرابات وصدمات نفسية… حتى اللحظة قدمت فريق الأونروا الدعم النفسي لأكثر من 730,00 نازح بينهم أكثر من نصف مليون طفل” صدمات مركبة: فقدان أهل، فقدان بيت، فقدان أمان، فقدان مدرسة.
طفل جائع لا يستطيع التعلم
جانب آخر لا يقل خطورة — الجوع يوضح أبو حسنة:«معظم الاطفال يأتون الى المدارس جائعين… نسبه انتشار سوء التغذيه بين هؤلاء الاطفال اكثر من 90%…»
وتضيف حمدان: “سوء التغذية من ضمن التحديات التي لا تزال قائمة… وحتى مع وقف اطلاق النار لم يتم ادخال ما يكفي من احتياجات القطاع من الغذاء… الأونروا تقدم العلاج للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.» كيف سيتعلم طفل لا يجد ما يسد رمقه؟”
شواغل أولياء الأمور: التعليم قد يقتل أبناءنا
تحول الخوف إلى جزء من قرار الذهاب للمدرسة، يشرح أبو حسنة قائلاً:«الاباء والامهات كانوا يخشون ارسال ابنائهم… لانهم قد يقتلون… اسرائيل جمعت معظم سكان قطاع غزه قبل وقف اطلاق النار في مساحة 70 كيلو متر مربع… اليوم مئات الالاف من هؤلاء الأطفال بلا مأوى بلا خيام بلا بيوت”.
أطفال بلا مقاعد.. بلا حدود.. وبلا أمان
منطقة الغرب مكتظة، الشرق مدمر، وفي كل زاوية يقول أبو حسنة:«الاف من الصواريخ والقذائف التي لم تنفجر… بين البيوت وبين الخيام» تحويل التعليم لبيئة آمنة أصبح شبه مستحيل.
فجوة تعليمية خطيرة تهدد المستقبل
تلخص “حمدان” عمق الكارثة: “وجود الأطفال خارج اسوار المدرسة تسبب بفاقد تعليمي وأكاديمي بالإضافة الى تبعات نفسية واجتماعية”، مشيرة إلى أن «تقارير الأمم المتحدة تشير إلى انه الحرب تسببت بحرمان حوالي ٦٦٠,٠٠٠ طفل من التعليم لمدة عامين.» جيل كامل يحتاج إعادة تأهيل… لا مجرد كتب جديدة.
وتقول إيناس:«حاليا تقدم الأونروا التعليم عن بعد لحوالي ٣٠٠,٠٠٠ طالب… وأنشطة وجاهية لأكثر من ٣٥,٠٠٠ داخل ٢٣١ مساحة تعليمية… يقدم خدمات التعليم حوالي ٨٠٠٠ معلم ومعلمة…»
ويقول عدنان لكن رغم الجهود:«ان دعم الأونروا و عملياتها هو أمر ضروري… والدعم الموجود حاليا لا يكفي.»
«ان دعم الأونروا أمر ضروري من أجل استمرار الخدمات الحيويه…» تقول إيناس
يقول أبو حسنة: “ما حدث للأطفال في قطاع غزة عملية تدمير ممنهج وغير مسبوقة… ونحتاج إلى عقود لاستعادتهم الى طبيعتهم”.
لسنا أمام أزمة تعليم… بل أزمة وجود
كارثة غزة التعليمية ليست أزمة كتب أو مباني… بل أزمة جيل كامل وُلد في الحرب ونشأ فوق الركام ولا يعرف شكل مقعدٍ مدرسي حقيقي.
جيل يدرس على البلاط، ويكتب على الأرض، ويعيش في خوف دائم… ومع ذلك يحاول أن يتعلم، لأن التعليم حتى في غزة، هو آخر ما يتمسك به الناس ليثبتوا أنهم ما زالوا أحياء.