أن تمشي في شوارع القاهرة أو الإسكندرية أو أي مدينة مصرية ببشرة داكنة يعني أن تعيش تجربة مختلفة تمامًا عن تلك التي يعيشها أصحاب البشرة الفاتحة، حتى لو كنت مصريًا بالميلاد والجنسية والانتماء. هي تجربة لا تُكتب في القوانين، لكنها تُنقش يوميًا في النظرات، التعليقات، الأسئلة، والافتراضات المسبقة.
تبدأ من نظرة فضول متفحصة، وتمتد إلى عبارة جارحة تُقال بنبرة “هزار”، ثم تتصاعد إلى سؤال متكرر عن “أصلك” وكأن الانتماء المصري لا يكفي وحده لإثبات الشرعية الاجتماعية.
هذه العنصرية ليست صاخبة دائمًا؛ هي غالبًا هادئة ومتسللة، تتغلغل في اللغة اليومية، وفي المدرسة، وفي العمل، وفي الإعلام، وفي العلاقات الشخصية، لتصنع واقعًا تراكميًا من الإقصاء النفسي والاجتماعي لكل من لا يتوافق مع صورة “البياض المقبول” التي ترسخت عبر عقود من الثقافة الشعبية والتمثيل الإعلامي غير العادل.
عنصرية يومية.. غير مُسمّاة
في المدارس المصرية تبدأ القصة مبكرًا، قبل أن يفهم الطفل معنى الكلمة “عنصرية”. كثير من الأطفال داكني البشرة يتعرضون لتنمر متكرر من زملائهم: كلمات مثل “يا أسود”، “يا فحم” “يا بتنجانه”، أو مقارنات مهينة بحيوانات أو أشياء داكنة اللون. والأخطر أن هذا يحدث أحيانًا أمام معلمين لا يتدخلون، إما بدافع اللامبالاة أو لأنهم هم أنفسهم لا يرون المشكلة بوصفها تمييزًا حقيقيًا. هذا التنمر ليس مجرد لحظات عابرة؛ إنه عملية طويلة من تشكيل الوعي بالذات. يتعلم الطفل، بشكل غير مباشر، أن لونه “عيب” أو “نقص” يجب تبريره أو إصلاحه، فيكبر وهو يحمل شعورًا دفينًا بالعار من بشرته، حتى لو لم يقل ذلك صراحة.
هذا الإحساس يرافقه لاحقًا في اختياراته الحياتية. بعض الشباب والفتيات يلجأون إلى كريمات تفتيح البشرة بشكل مبالغ فيه، أو يتجنبون الظهور في الصفوف الأولى، أو يبتعدون عن الوظائف التي تتطلب التعامل المباشر مع الجمهور. في سوق العمل يتكرر النمط نفسه لكن بصياغة أكثر تهذيبًا: لا أحد يقول “لن نوظفك لأنك أسمر”، لكن الواقع العملي يظهر أن وظائف الاستقبال، الإعلام، العلاقات العامة، الطيران، وخدمة العملاء تُفضّل ضمنيًا أصحاب البشرة الفاتحة. أما أصحاب البشرة الداكنة فيجدون أنفسهم مُوجّهين نحو أعمال أقل ظهورًا وأدنى أجرًا، وكأن اللون يحدد سقف الطموح قبل الكفاءة. ربما قبل أن نكمل حديثنا هل يمكن أن يذكرني أحد أخر مرة كان هناك وزيرة/وزير من أصحاب البشرة الداكنة؟
الإعلام المصري لعب دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الترتيب غير العادل. على مدار عقود، ارتبط ظهور أصحاب البشرة السمراء بأدوار الخدم، البوابين، الكومبارس، أو الشخصيات الكوميدية التي يُضحك عليها لا معها. نادرًا ما نرى بطلًا رومانسيًا أسمر، أو إعلامية داكنة البشرة في دور قيادي، أو طبيبًا أسمر يُقدَّم كرمز نجاح بلا قوالب نمطية. هكذا تتشكل معادلة خطيرة في المخيال العام: الأبيض = جميل وناجح، والأسود = مقبول فقط في الهامش.
المصريون السُّمر قبل اللاجئين
غالبًا ما يُختزل النقاش العام في مصر في “العنصرية ضد الأفارقة” أو اللاجئين السودانيين والإريتريين، لكن هذا الاختزال يخفي حقيقة أكثر عمقًا: المصريون أنفسهم، حين يكونون داكني البشرة — خصوصًا من النوبة أو الصعيد أو بعض مناطق الدلتا — يتعرضون للتمييز ذاته. في البيوت تُسمع عبارات مثل: “عايزين عروسة فاتحة علشان تخفف لون العيال”، وكأن اللون عبء عائلي يجب التخلص منه عبر الأجيال. في العمل يُسأل الشاب الأسمر أسئلة تتجاوز الفضول إلى الشك في انتمائه: “إنت منين بالظبط؟”، وكأن لونه يُضعف تلقائيًا مصريته.
هذا التمييز لا يصيب الغرباء فقط؛ إنه يمس مواطنين مصريين كاملين في حقوقهم القانونية، لكن منقوصين اجتماعيًا بسبب لون بشرتهم. هنا تتجلى قسوة العنصرية: لا تحتاج أن تكون لاجئًا أو مهاجرًا حتى تُعامل كغريب — يكفي أن يكون لونك داكنًا. هذه الحقيقة غالبًا ما تُنكر باسم “الطبيعة الاجتماعية” أو “الذوق العام”، لكنها في جوهرها شكل من أشكال التراتبية اللونية غير المعلنة.
عنصرية مغلّفة بـ “خفة الدم”
من أخطر أشكال العنصرية في مصر أنها تُغلف أحيانًا بالضحك. كثير من الناس يستخدمون نكات عنصرية عن اللون باعتبارها خفة دم أو دعابة بريئة: يُنادى على شخص بـ“يا أسود” كنوع من المزاح، أو تُروى نكات تربط السواد بالقبح أو الفقر أو الغباء، أو يُستهزأ ضمنيًا بالأسماء والملامح الأفريقية. لكن الحقيقة التي يجب قولها بلا مواربة هي أن هذا ليس مزاحًا — هذه عنصرية صريحة ومؤذية، وهي لا تضحك.
النكتة التي تُضحك طرفًا وتجرح طرفًا آخر ليست بريئة؛ إنها شكل من أشكال العنف الرمزي الذي يُعيد إنتاج علاقات القوة ويطبع الإهانة بطابع القبول الاجتماعي. حين تصبح هذه التعليقات عادة يومية، يتحول الظلم إلى أمر طبيعي، ويصبح الضحية مطالَبًا بالتحمّل حتى لا يُوصم بأنه “حساس زيادة عن اللزوم”. غير أن اللغة ليست مجرد كلمات عابرة؛ هي نظام قيم يُشكّل نظرتنا للعالم. استخدام جعل “أسود” مرادفًا للشر أو القبح، يعيد إنتاج تاريخ طويل من الدونية المرتبطة باللون، ويمنع أي تحول حقيقي في الوعي.
اللاجئون السمر: عنصرية مضاعفة
إذا كان المصري الأسمر يواجه تمييزًا يوميًا، فإن اللاجئ الأسود يواجه طبقة إضافية من الهشاشة. كثير منهم يُرفض تأجير الشقق لهم صراحة بسبب لونهم أو جنسيتهم، أو يُطلب منهم دفع إيجار أعلى “احتياطيًا”. في الشارع يتعرضون لمضايقات لفظية، ويُنظر إليهم بريبة في المواصلات أو الأماكن العامة، ويُطاردون أحيانًا باعتبارهم “غرباء” حتى لو عاشوا في مصر سنوات طويلة وتعلموا اللغة وأقاموا علاقات اجتماعية.
وضعهم القانوني غير المستقر يجعلهم أقل قدرة على الشكوى أو الدفاع عن أنفسهم، فيتحول الصمت إلى استراتيجية للبقاء. هنا تتقاطع العنصرية مع السلطة والخوف وعدم التكافؤ في الحقوق، لتخلق واقعًا قاسيًا يضاعف معاناة النزوح واللجوء بدل أن يخففها.
لماذا هذه العنصرية خطيرة؟
العنصرية ليست مجرد مسألة أخلاقية؛ لها آثار ملموسة وعميقة. نفسيًا تُسبب قلقًا مزمنًا، وانخفاضًا في تقدير الذات، وشعورًا دائمًا بعدم الانتماء. اقتصاديًا تُغلق أبواب العمل والترقي أمام أصحاب البشرة الداكنة، فتكرّس الفقر وعدم المساواة بين فئات المجتمع. اجتماعيًا تُعمّق الانقسامات بدل أن تبني التضامن، وتزرع الشك بين المواطنين أنفسهم وبينهم وبين اللاجئين.
حين يُحرم الناس من الفرص بسبب لونهم، لا يخسرون هم فقط؛ يخسر المجتمع كله طاقات وإبداعات كان يمكن أن تُسهم في التنمية والعدالة.
ما الذي يجب أن يتغيّر؟
هناك بوادر إيجابية بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة: مبادرات شبابية ومنظمات مجتمع مدني تناقش القضية بجرأة أكبر، توثق شهادات المتضررين، وتعمل مع المدارس والمجتمعات المحلية على مواجهة التنمر. بعض صناع المحتوى والفنانين يحاولون كسر الصورة النمطية السائدة، لكن هذه الجهود ما زالت محدودة مقارنة بحجم المشكلة.
التغيير الحقيقي يتطلب حزمة متكاملة من الخطوات، أولًا، إصلاح التعليم عبر تدريب المعلمين على مواجهة التنمر العنصري، ومراجعة المناهج والصور النمطية فيها. ثانيًا، إصلاح الإعلام بحيث يُمثل أصحاب البشرة الداكنة في أدوار قيادية ورومانسية ومهنية، لا في أدوار هامشية فقط. ثالثًا، توفير حماية قانونية حقيقية للاجئين ضد التمييز والعنف اللفظي، مع آليات واضحة للإبلاغ والمساءلة. رابعًا، تغيير اللغة العامة عبر مواجهة “النكات” العنصرية بدل تبريرها. وأخيرًا، إعادة تعريف الجمال بوصفه متعدد الألوان، لا محصورًا في درجة بشرة واحدة.
أن تكون أسود البشرة في مصر لا يجب أن يعني أن تكون مواطنًا من الدرجة الثانية. مصر بلد إفريقي بامتياز، بتنوع عرقي وثقافي عميق يفترض أن يكون مصدر قوة لا سبب إقصاء. العدالة لا تبدأ بالإنكار، بل بالاعتراف: الاعتراف بأن العنصرية موجودة، وأنها ليست مجرد سلوك فردي، بل بنية ثقافية تحتاج تفكيكًا وإعادة بناء.
لن تكون مصر عادلة حقًا ما لم نفهم أن الكرامة لا تُقاس بدرجة لون البشرة، وأن الضحك على حساب الآخر ليس “خفة دم” بل قسوة اجتماعية. حين نصل إلى يوم يصبح فيه اللون مجرد تفصيلة إنسانية لا معيار قيمة، سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.