يبقى ملف الإعلام الخاص واحدًا من أكثر الملفات التي تحتاج إلى نقاش جاد وهادئ، بعيدًا عن الشعارات والمواقف المسبقة، وبعيدًا أيضًا عن اختزال القضية في مجرد إصدار تراخيص أو توقيع عقوبات.
فالإعلام الخاص، بكل أشكاله، من صحافة ورقية وإلكترونية، وقنوات تليفزيونية وإذاعات ومنصات رقمية، أصبح لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي، ولم يعد تأثيره يتوقف عند حدود الوسيلة التي يصدر عنها، وإنما يمتد إلى المجتمع كله.
ومن هنا يطرح الواقع سؤالًا مهمًا: هل يكفي أن يقتصر دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على منح التراخيص ومتابعة مدى الالتزام بالقوانين والأكواد المنظمة للعمل الإعلامي؟ أم أن طبيعة المرحلة تفرض إعادة النظر في شكل إدارة هذا الملف بالكامل؟
القضية ليست في زيادة عدد الجهات، وإنما في وضوح المسؤولية. فالإعلام الخاص يحتاج إلى قواعد واضحة، ومرجعية محددة، ونظام يوازن بين حرية العمل الإعلامي وبين الالتزام بالقانون والمعايير المهنية.
وهنا يأتي الدور المهم لنقابة الصحفيين ونقابة الإعلاميين.
فالنقابات ليست مجرد جهات لمنح العضوية أو الدفاع عن أعضائها وقت الأزمات، وإنما هي شريك أساسي في حماية المهنة، والدفاع عن العاملين بها، والحفاظ على قواعدها وأخلاقياتها، والمساهمة في رفع مستوى الأداء المهني.
لكن السؤال يبقى: أين تنتهي مسؤولية النقابة؟ وأين يبدأ دور الجهة المنظمة؟ وأين تقف مسؤولية الحكومة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت ضرورية، لأن تداخل الاختصاصات لا يصنع إعلامًا أكثر قوة، وإنما قد يؤدي إلى تعدد المرجعيات وصعوبة تحديد المسؤولية.
ومن هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: هل نحتاج إلى عودة وزارة الإعلام؟
إذا كانت العودة المقصودة مجرد وزارة دولة محدودة الصلاحيات، فإنها لن تقدم بالضرورة حلًا لمشكلة تعدد الأدوار. أما إذا كانت هناك رؤية لعودة وزارة إعلام كاملة، تمتلك صلاحيات واسعة ومسؤولية واضحة عن السياسة العامة للإعلام، فإن الأمر يجب ألا يتوقف عند إنشاء الوزارة، وإنما يمتد إلى إعادة بناء المنظومة التنظيمية بأكملها.
وهنا تحديدًا يصبح مستقبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مطروحًا على الطاولة.
فإذا عادت وزارة الإعلام بصلاحيات واسعة، فما المبرر لبقاء جهة أخرى تمتلك اختصاصات تنظيمية متقاربة؟ وهل من المنطقي أن تكون هناك وزارة مسؤولة عن ملف الإعلام، وفي الوقت نفسه مجلس مستقل يمارس اختصاصات واسعة في تنظيم المجال نفسه؟
هذه الازدواجية تحتاج إلى حسم.
والطرح الذي يستحق النقاش هنا هو إلغاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في حال عودة وزارة الإعلام بصلاحياتها الكاملة، ونقل اختصاصاته إلى الوزارة ضمن إطار قانوني واضح.
فوجود مرجعية واحدة مسؤولة عن السياسة الإعلامية والتنظيم يمكن أن ينهي حالة التداخل في الاختصاصات، ويجعل المسؤولية أكثر وضوحًا، ويمنع تضارب القرارات بين أكثر من جهة.
لكن هذا التصور لا يعني أن تتحول وزارة الإعلام إلى جهاز رقابي على الصحفيين والإعلاميين، أو أن تصبح صاحبة القرار في المحتوى اليومي للمؤسسات الإعلامية. بل على العكس، فإن نقل الاختصاصات إليها يجب أن يصاحبه تحديد دقيق للصلاحيات، وضمانات قانونية تحمي حرية الصحافة والإعلام، وتترك للنقابات دورها المهني المستقل.
أما الإبقاء على المجلس الأعلى إلى جانب وزارة إعلام كاملة الصلاحيات، فيعني عمليًا استمرار تعدد مراكز الاختصاص، وهو ما يطرح سؤالًا مستمرًا حول الجهة صاحبة القرار النهائي والمسؤولية النهائية.
ولذلك فإن المسألة ليست تغيير اسم من «مجلس» إلى «وزارة»، وإنما إعادة ترتيب فلسفة إدارة الإعلام من الأساس.
العالم تغير، والإعلام تغير معه. فلدينا اليوم منصات رقمية ومواقع إخبارية وشبكات اجتماعية ومؤثرون ومحتوى يعبر الحدود في ثوانٍ. وبالتالي فإن أي منظومة جديدة يجب أن تنظر إلى الإعلام باعتباره صناعة وقوة ناعمة وأداة للتواصل المجتمعي، وليس مجرد قطاع يحتاج إلى الرقابة.
وزارة إعلام قوية، إذا عادت، يجب أن تكون مسؤولة عن وضع الرؤية العامة، ودعم الصناعة، وتعزيز التنافسية، وفتح آفاق التطوير، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، وليس إدارة التفاصيل اليومية للعمل الصحفي والإعلامي.
وفي المقابل، يجب أن تظل النقابات مسؤولة عن المهنة وأخلاقياتها وحقوق العاملين بها، بينما يكون القانون هو المرجع في أي تجاوز.
الخلاصة أن عودة وزارة الإعلام لا ينبغي أن تكون إضافة مؤسسة جديدة إلى مؤسسات قائمة، بل فرصة لإعادة ترتيب المشهد كله.
فإذا عادت الوزارة بصلاحيات واسعة، فإن إلغاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يصبح جزءًا طبيعيًا من إعادة توزيع الاختصاصات، وليس مجرد تغيير في أسماء المؤسسات.
أما إذا كانت العودة شكلية أو محدودة الصلاحيات، فسيظل السؤال قائمًا حول جدوى وجود وزارة جديدة إلى جانب المجلس الأعلى.
في النهاية، الإعلام لا يحتاج إلى تعدد المرجعيات بقدر ما يحتاج إلى وضوحها، ولا يحتاج إلى كثرة المؤسسات بقدر ما يحتاج إلى تحديد المسؤولية.
والسؤال الحقيقي ليس: وزارة أم مجلس؟
بل: من يملك المسؤولية؟ ومن يحاسب؟ ومن يحمي المهنة؟ ومن يضمن في الوقت نفسه أن يظل الإعلام حرًا ومسؤولًا؟
هذه هي المعادلة التي يجب أن تحسم قبل اتخاذ أي قرار بشأن مستقبل منظومة الإعلام المصري.