في إسكندرية إبراهيم عبد المجيد ما يدهشني
هذه الإسكندرية ليست الضجيج التاريخي ولا تاريخ الحروب، بل الزمن السائل للسطوح: واجهات البيوت، صفحات الصحف المبللة، أرصفة البحر، وأعمدة الإنارة. هذه الأسطح لا تُسجيل فقط أحداثًا، بل تحفظ إيقاعات مملة من النسيان — نبضات صغيرة لا تسمعها روايته حين تروي الناس، لكنها تكوّن روح المدينة. لكل خدش على جدار قصة لم تُقال؛ لكل بقعة ملح على حافة ميناء، ذاكرة لابتسامة مختفية؛ لكل مرآة مطعّمة بخيوط الغبار، انعكاسٌ لرفضٍ صغير لا يملك اسمًا. هذا “أرشيف السطوح” هو ذاكرة المدينة الشقية: لا تقصّ الأحداث الكبرى، بل تحفظ طريقة المشي المتهاون، لحن البائع، طريقة رمي ورقة قديمة في البحر.
إن قراءة الرواية – لا أحد ينام في الإسكندرية – من زاوية السطوح تكشف أن المدينة كائن يحفظ ما لا يجرؤ البشر على تسميته؛ هذا الحفظ الصامت يقاوم النسيان بطريقة مختلفة عن التاريخ الرسمي — هو رفض لطيف للاندثار. ربما لو قرأنا الأسطح بدل الشوارع فقط، لكنا فهمنا الإسكندرية كحالة زمنية لا تُقاس بالأحداث وحدها، بل بالملمس والصدى والخدش البسيط الذي يرفض أن يختفي.
على مقهى قريب من البحر
في أحد مقاطع رواية الإسكندرية يمرّ سريعًا كأنه تفصيلة عابرة: لحظة انتظار صامتة على مقهى قريب من البحر، حيث لا يحدث شيء كبير، لا انفجار، لا اعتراف، لا موت. فقط بشر يجلسون، يدخنون، ويراقبون العتمة وهي تتقدّم ببطء. هذا المشهد الصغير، في ظاهره، هو في الحقيقة قلب الرواية الخفي. لأن الانتظار هنا ليس مؤقتًا، بل أسلوب حياة. المدينة كلها تنتظر دون أن تعرف ماذا.
ما يدهشني أن الشخصيات لا تنتظر حدثًا بعينه، بل تنتظر أن يتغيّر الإحساس نفسه: أن يصبح الخوف أقل، أن يصبح الغد أوضح، أن يصبح القلب أبطأ في الارتعاش. إبراهيم عبد المجيد لا يقدّم الانتظار كملل، بل كحالة وجودية: أن تكون حيًا يعني أن تكون معلقًا بين شيئين لا تملك منهما شيئًا، الماضي الذي لا يعود، والمستقبل الذي لا يأتي كاملًا أبدًا.
هذا المقهى يصبح صورة مصغّرة للإسكندرية: مدينة لا تنام، لا لأنها مشتعلة دائمًا، بل لأنها لا تعرف متى تطفئ قلقها. كل الجالسين هناك يبدون مستريحين، لكن داخل كل واحد منهم حرب مؤجلة. ربما لهذا لا ينام أحد فعلًا… لأن النوم يحتاج إلى يقين، والإسكندرية لا تمنح اليقين، بل تمنح موجة أخرى فقط.
إبراهيم عبد المجيد ليس روائيا تقليديا – كما يراه كاتب هذه السطور، إن في كتاباته من بلل ملح الإسكندرية وجفاف القاهرة ما يجعله كتابا زمنيا واقعيا وتأريخا روائيا.
النشأة
ولد إبراهيم عبد المجيد في 2 ديسمبر 1946 في مدينة الإسكندرية، المدينة التي ستبقى مصدر إلهامه الدائم وبيئته الأولى التي بلورت ذاكرته وحسّه الروائي.
درس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية وتخرّج عام 1973، قبل أن ينتقل عام 1975 إلى القاهرة، حيث بدأ خوض تجربة حياتية مزدوجة: بين العمل الثقافي والإبداع الأدبي.
محطات مفصلية في حياته
بعد انتقاله إلى القاهرة، دخل عبد المجيد المؤسسة الثقافية الرسمية؛ إذ عمل في مؤسسات ومناصب حكومية معنية بالثقافة.
مع مرور السنوات، أثبت أن حضوره لا يقتصر فقط على الإدارة، بل على الإبداع والكتابة: روايات، قصص قصيرة، مقالات؛ كلها حملت بصمته الخاصة.
لقد جمع بين “الفاعل الثقافي” و“الكاتب الروائي/القصصي” — وهو مزيج قَلّما نجده بتركيز مماثل في الساحة الأدبية.
إنتاجه الأدبي
رواياته ومجموعاته القصصية عديدة ومتنوعة، لكنها تتشارك في سمة أساسية: حُبّ المكان، مطلقًا للذاكرة أو الحاضر، واهتمام بالإنسان في تفاصيل حياته اليومية.
من أبرز أعماله
– لا أحد ينام في الإسكندرية — أول أجزاء “ثلاثية الإسكندرية”.
– طيور العنبر — الجزء الثاني.
– الإسكندرية في غيمة — الجزء الثالث.
التقدير والجوائز
– جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 1996 عن رواية البلدة الأخرى.
– اختيار “لا أحد ينام في الإسكندرية” كأفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1996.
– جائزة الدولة للتفوق في الأدب عام 2004.
– ترجمة العديد من أعماله وانتشارها عربيًا ودوليًا.
لماذا يظل حضوره مهمًا اليوم؟
إبراهيم عبد المجيد ليس مجرد روائي؛ إنه مؤرخ للذاكرة الشعبية، وللتحولات التي عاشتها المدن المصرية، خصوصًا الإسكندرية.
كتاباته تعيد الاعتبار للإنسان العادي ولتفاصيل الحياة اليومية، وتمنح ذاكرة المدن صوتًا لا يشيخ.
في ذكرى ميلاده في ديسمبر نستعيد رحلة كاتب عاشق للمدينة والإنسان، كاتب جمَع بين العمل الثقافي والإبداع الأدبي، بين الذاكرة والسرد، بين الواقع والخيال.
إبراهيم عبد المجيد برواياته، قصصه، مقالاته هو شاهد على مصر المتغيّرة، ورسول لذاكرة مدينة لا تزال تنبض بالحياة.