لا يخفى على المشتغلين بالحقل التربوي في مصر ما في منهج التربية الدينية (الإسلامية والمسيحية) على السواء من إشكالية مزمنة تمتد جذورها إلى سنوات دراسية طويلة قد مضت، ولكن نظرًا لحساسية القضية ينأى الجميع بأنفسهم بعيدًا، خوفًا من أن يصوب لهم البعض اتهامات قاسية لا أكاد أحصيها عددًا، في ظل حالة من الفراغ الفكري تطغى على عقول قطاعات عريضة من المجتمع، واعتماد تلك القطاعات على ترديد أقوال جماعات التطرف والتشدد التي ابتلي بها المجتمع، وغياب ثقافة الحوار والموضوعية، مع ارتفاع أبواق أولئك النفر من أبناء المجتمع حتى علت فوق صوت العقل، مما جنى على كل من يجرؤ على المكاشفة ومناقشة المسكوت عنه في قضايا مصيرية تهدد أمن المجتمع وما يتصل به من مُثُل وقيم عليا من شأنها أن تُقَوِّم ما اعوج من أخلاق النشء.
إن الكارثة واضحة وماثلة للعيان، وهي محيطة بنا في كل موضع وموقع، فهي ملموسة في البيوت والمدارس والجامعات والأسواق والأندية وغير ذلك، فلنضع أوراقنا على المنضدة ونتكاشف ونتصارح ونتناصح ونسأل أنفسنا سؤالًا محوريًا، وهو السؤال المشكلة، ألا وهو: إذا كانت مناهج التربية الدينية (إسلامية ومسيحية) متحققة في مدارسنا ومؤثرة فيهم وفاعلة في أخلاقهم في جانبها التطبيقي، فهل تجد لها أثرًا ما ولو كان ضئيلًا في سلوك طلاب المدارس والجامعات الدارسين حاليًا والمتخرجين منهم؟
هل لدينا الشجاعة لنقول الحق؟!
إن التردي الأخلاقي داخل الكثير من الأسر بسبب وهن العلاقة بين الأبناء وأبويهم وافتقادهم للياقة الخطاب المحترم معهم، وما نشاهده كل يوم من أعمال البلطجة وعبارات الحوار الملوثة بكل الألفاظ العارية والنابية والبذيئة، وهذا التحرش من قبل أولئك الطلاب بالطالبات، تحرشًا لفظيًا وماديًا، وكذلك تحرشهم بمعلميهم في المدارس وتطاولهم على الشيوخ من الرجال والعجائز من النساء، وعدم إدراكهم لتوقير الكبير واحترامه، وعدم مراعاتهم للضعفاء والمرضى، بل تجد سخريتهم واستهزاءهم بذوي الحاجات الخاصة وتنمرهم عليهم في وقاحة منقطعة النظير، وإقبالهم على تعاطي المخدرات، فهل بعد ذلك ما زلت مقتنعًا بأن هناك منهجًا للتربية الدينية فاعلًا ومؤثرًا في مدارسنا يُقَدَّم للطلاب؟!
في الواقع هناك كتب ومقررات دراسية محددة وحصص مخصصة للتربية الدينية، ولكن رغم ذلك كله يندر الأثر التربوي لهذه المادة ندورًا مقلقًا، فأين تكمن المشكلة؟ وما أسبابها التي أفضت بهذه النتائج التي جنت على أجيال سابقة وأجيال آنية، وإن لم تعالج علاجًا علميًا موضوعيًا فسوف تزيد تيار التردي انتشارًا وعمقًا، ناهيك عما يجري من تربية سلبية لهؤلاء المتعلمين عبر المدارس الموازية التي تأخذ أشكالًا وصورًا طرأت على فضاء المجتمع مثل مراكز الدروس الخصوصية، وما يجري فيها بعيدًا عن أعين ومراقبة أولياء الأمور، وكذلك ما يستمده أولئك الطلاب من قيم وأخلاق متدنية ومعتقدات وأفكار مشوهة وسلوكيات ساقطة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى سقوط البعض منهم في يد جماعات التطرف الديني أو شلل الجانحين من أرباب السوابق والإدمان، وتسلل الأفكار المعادية للانتماء الوطني والشعور بالاغتراب.
إنني أتحدث عن منهج لا مقرر، بوصف الأول أعم وأشمل، إذ يجمع بين المقرر المدرسي النظري وجوانب نشاط المقرر العملية والتطبيقية. ولكي نكون أكثر صراحة ومكاشفة فينبغي علينا أن ندرك حال مادة التربية الدينية وواقعها المأزوم، فهي مادة لا يخدم محتواها النظري ما يشغل أذهان الطلاب من قضايا معاصرة من ناحية، ولا يتم عرضها بأسلوب مُشَوِّق من ناحية أخرى. أما تدريسها في المدارس فيتم بأساليب تقليدية خطابية غير مثيرة للاهتمام، يفتقد فيها المعلم للتدريب الحقيقي، وليس دورات التدريب الصورية التي لا تجدي نفعًا، إذ تتم بشكل روتيني يضطر معها المعلمون حضورها مضطرين مجبرين، وربما المدربون أنفسهم أشد الحاجة إلى التدريب الجاد، فينهي المتدرب دورته بعد أن قضى أيامًا معدودة لم يتلق فيها جديدًا يعود به إلى طلابه.
أما الجانب التطبيقي للمنهج فقد بات في طي النسيان والإهمال، بوصفه جانبًا غير قابل للقياس والتقويم، وتقتصر الأمور على تقييم الجانب النظري في صور تقييمات أو امتحانات لا تغني ولا تسمن من جوع، لأن الطلاب يدركون عدم جدوى المادة على مستوى المجموع الكلي، فيتم إهمالها، ويكاد الطالب لا يعلم من أمر مقرره الدراسي إلا النزر اليسير أو القدر الذي يحقق له النجاح فقط.
وهناك قرار أصدره السيد وزير التربية والتعليم والتعليم الفني بأن يزيد حصص التربية الدينية إلى ثلاث حصص في الصف الثاني الثانوي، وأن الطالب عليه أن يحصل على سبعين في المئة من الدرجة لكي يسمح له بالانتقال إلى الصف الجديد، ولكن للأسف أن هذا القرار لن تؤتى ثماره ما دامت المادة خارج المجموع الكلي من ناحية، وبناء محتواها كما ذكرت آنفًا بناء لا يحرك ساكنًا عند الطلاب ولن يغير منهم شيئًا، وتبقى الحال على ما هي عليه.
ونقترح بأن تتناول المادة الموضوعات التي تمس بناء الجانب الأخلاقي في حياتنا اليومية، والعلاقات الأسرية، وعلاقات الجيرة والعمل، وقيم الصدق والأمانة والإتقان، ونبذ العنف والتطرف والتحرش والتنمر، والتأكيد على فضيلة احترام الغير وعقائد الآخرين، ودعم موضوعات الانتماء الوطني، وتحليل ظاهرة الإلحاد، وغير ذلك من الموضوعات والقضايا التي لا يختلف فيها أهل مصر من مسلمين ومسيحيين، وتقديم نصوص القرآن الكريم والإنجيل للطلاب التي تدعم القيم الإنسانية والمثل العليا المشتركة بين الديانتين، وكذلك دعم قيم المواطنة وموقف الإسلام والمسيحية منها، ودعم روابط المحبة والمودة بين أهل الديانتين.
وتأهيل معلمين ومعلمات في اللاهوت المسيحي بدلًا من ترك أبنائنا وبناتنا الدارسين لمادة التربية المسيحية بلا معلم متخصص، ففي واقع الأمر يُسنَد تدريسها في المدارس إلى أي معلم مسيحي غير متخصص، مما يجعل الأمر مفتقدًا لمبدأ تكافؤ الفرص وشبهة الإهمال.
إنها قضية تبدو شائكة، ولكنها في الحقيقة شديدة اليسر في معالجتها إذا توفرت النيات المخلصة، فالباحث في الشأن التربوي سيجد أن الأهداف العامة لتدريس مادة التربية المسيحية لا تبعد عن الأهداف العامة للتربية الإسلامية، فالتربية المسيحية تنشد احترام ديانات الآخرين دون تحيز أو تمييز، وإنماء الشخصية الإيجابية لدى الطالب، وتوضيح علاقة الإنسان بربه ومجتمعه ووطنه، وربط مناهج الدين بالمواد الأخرى ومظاهر الحياة الحديثة وقضاياها، وأن الدين ليس تعاليم تُلَقَّن أو مناهج تُدرَّس، وإنما حياة كاملة وقدوة صالحة، والدعوة إلى اكتساب الفضائل التي تحميه من التطرف والإدمان والانحراف وتمكنه من نشر الحب والخير في المجتمع المحيط به، وتوضيح مكانة المرأة وإبراز دورها في المجتمع، وربط الطفل بالقيم الروحية والمثل العليا التي نادى بها المسيح عليه السلام، وإبراز مفهوم الهوية المصرية وتقوية عاطفة الانتماء لمصر، والتأكيد على أهمية القدوة الصالحة، وتربية أجيال مؤمنة بربها ومضحية في سبيل وطنها.
ومن ثم لا تجد أدنى خلاف بين الأهداف العامة لكلتا الديانتين السماويتين، أما الأهداف الخاصة فتبقى في (دائرة الخصوصية) التي تصان بالتسامح والاحترام المتبادل، وعلى هذا يجب أن نهتم بالعام المشترك وليس بالخاص الذي يمس مواطن الاختلاف بين العقيدتين.
وفي نهاية المطاف تبقى رؤيتي في التعديل والإصلاح مجرد رأي قد نتفق أو نختلف حوله من أجل مستقبل مصر.