في الأيام الماضية، تصدّرت محافظة القليوبية المشهد بحوادث عنف صادمة أثارت قلقًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع تداولها بكثافة. بدءًا من واقعة إطلاق خرطوش على طفل ووالده بعد صلاة التراويح، إلى حادثة التنمّر الجماعي على شاب وإجباره على ارتداء ملابس نسائية في الشارع، وهي مشاهد فجّرت الكثير من التساؤلات: هل نحن أمام حوادث فردية؟ أم أن هناك تغيّرًا أعمق طرأ على سلوك بعض الفئات داخل المجتمع؟
ما زاد من حالة القلق ليس فقط فداحة الوقائع، وإنما الإحساس المتنامي لدى المصريين بتراجع الشعور بالأمان، خاصة مع تكرار مشاهد العنف.
ومن خلال آراء خبراء علم النفس والاجتماع، نحاول طرح قراءات مختلفة لفهم الظاهرة في سياقها الأوسع، ما بين ضغوط اقتصادية مستمرة، وتراجع بعض القيم، وتأثير محتوى العنف المتزايد على المنصات الرقمية. ولمحاولة أعمق لفهم الصورة كاملة، نتساءل: ماذا يحدث في القليوبية؟
تراجع منظومة القيم
وترى الدكتورة بسمة سليم، أستاذة علم النفس، أن تصاعد بعض مشاهد العنف في المجتمع يرتبط بعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها تراجع منظومة القيم وضعف مهارات الضبط الانفعالي والاجتماعي لدى بعض الأفراد. وأوضحت أن التعرّض المتكرر لمشاهد عنيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الأعمال الدرامية قد يسهم في ما يُعرف بـ”التطبيع العدواني”، حيث يصبح العنف سلوكًا أقل صدمة لدى البعض.
جرائم بطابع استعراضي
وأضافت بسمة، في تصريحات لـ”القصة”، أن بعض الجرائم قد تحمل طابعًا استعراضيًا بدافع لفت الانتباه، مشيرة إلى وجود سمات نفسية مشتركة بين بعض مرتكبي العنف، مثل الاندفاعية، وضعف التعاطف مع الآخرين، والحساسية المفرطة تجاه النقد، إلى جانب مشاعر الدونية أو الغضب المكبوت، والرغبة في إثبات الذات وفرض السيطرة، خاصة في حال غياب مهارات صحية للتعبير عن الانفعالات.
فتّش عن الضغوط الاقتصادية
ولفتت الدكتورة بسمة إلى أن الضغوط الاقتصادية قد تسهم في تحويل مشاعر العجز أو الفشل لدى بعض الأفراد إلى عدوان موجّه نحو الآخرين، وهو ما ينعكس سلبًا على الإحساس العام بالأمان داخل المجتمع. كما حذّرت من التأثيرات الممتدة لهذه الأجواء على الأطفال، والتي قد تظهر في صورة اضطرابات في النوم أو الأكل، ومخاوف اجتماعية، أو في بعض الحالات اكتساب سلوكيات عدوانية.
وأكدت أستاذة علم النفس أن الوقاية تتطلب حزمة تدخلات متكاملة، تشمل تعزيز التربية الانفعالية داخل الأسرة والمدرسة، وتدريب الأفراد على مهارات إدارة الغضب وتنظيم المشاعر، إلى جانب توفير مساحات دعم نفسي مبكر للفئات الأكثر عرضة للضغوط. كما شددت على أهمية تبنّي خطاب إعلامي مسؤول يركّز على التوعية والحماية المجتمعية، ويتجنب تحويل العنف إلى مادة استعراضية.
ارتفاع معدلات الفقر يزيد العنف
فيما يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن تكرار وقائع العنف والبلطجة في بعض المناطق يعكس خللًا مركّبًا يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية في آنٍ واحد، مشيرًا إلى أن ارتفاع معدلات الفقر قد يسهم في زيادة مستويات التوتر والعنف داخل المجتمع.
وأوضح صادق أن بعض هذه الجرائم تتكرر في مناطق ريفية أو شعبية تعاني ضعفًا نسبيًا في الحضور المؤسسي للدولة، معتبرًا أن الدور الوقائي للأجهزة المعنية تراجع مقارنة بما كان يحدث في فترات سابقة من انتشار الدوريات والمتابعة الميدانية. وأضاف أن الاعتماد على التحرك بعد انتشار مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يكشف عن فجوة في منظومة الردع المبكر.
وفيما يتعلق بوقائع التنمّر الجماعي، مثل إجبار أحد الشباب على ارتداء ملابس نسائية، اعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي أن هذه الممارسات ليست جديدة بالكامل، لكنها تعكس – وفقًا لتعبيره – ثقافة عنف وتنمّر متجذّرة في بعض البيئات، فضلًا عن استمرار بعض أنماط النظرة الدونية للمرأة.
ابحث عن سرعة إنفاذ القانون
وأكد صادق، أن ضعف سرعة الإجراءات القانونية وطول أمد التقاضي قد يسهمان في شعور بعض الجناة بغياب الردع الكافي، مطالبًا بمراجعة فاعلية القوانين وآليات تنفيذها بما يواكب مجتمعًا تتزايد فيه مظاهر العنف. وشدّد على أن التعامل الجاد مع هذه الظواهر يتطلب حزمة متكاملة تشمل تعزيز الوجود الأمني الوقائي، وتحديث أدوات المراقبة في المواصلات والأماكن العامة، إلى جانب تسريع الفصل في القضايا المرتبطة بالعنف المجتمعي، بما يعيد الثقة لدى المواطنين في منظومة الحماية والعدالة.