أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان

إيمان عبد الرحيم

وُلدت ماما في 12-8-1958 في القاهرة، في شبرا مصر. حصلت على دبلوم التمريض، والتحقت للعمل بالجيش، حتى تزوجت زواج صالونات تقليدي في عام 1980، ورحلت مع زوجها إلى حيث يعمل مدرسًا في المملكة العربية السعودية، وواصلت عملها كممرضة هناك في القطاع الحكومي، وترقت إلى أن غدت رئيسة قطاع التمريض في مستوصف حكومي، ثم استقالت عام 1998.

بعدها، وفي نفس العام، قُتل زوجها في حادث سيارة أليم، وعادت ومعها أطفالها الستة إلى مصر، مسقط رأسها، لتواجه الحياة كأرملة وحيدة في الأربعين من عمرها. توفيت في 12-7-2018 في القاهرة، أثناء جراحة قلب مفتوح بالمعهد العالي للقلب.

أخبار ذات صلة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"

في الواقع لن يكفيني كتابة كتاب لأصف ما عانت وواجهت. ستة أطفال وبلد تنكرت لها! ثمانية عشر عامًا في الغربة كانت كفيلة بأن تجعل من بلدها بلدًا غريبًا في عينيها، بلا عمل ولا معاش ولا مال ولا فدية عن مقتل زوجها، بعد حياة كانت تكاد تكون مترفة.

الأموال التي جمعوها طيلة سنوات الغربة أُنفقت على عملية جراحية معقدة أجراها بابا في مستشفى خاص بمصر، لإزالة ورم من مخه، قبل أن يُقتل في الحادث الأليم بشهر تقريبًا.

ما تبقى كان في هيئة أصول جامدة: شقتين، وثلاث محلات للإيجار، وأرض قابلة للبناء.

والحصيلة بضع جنيهات لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا تكفي لسد أفواه الستة المدللين منذ نعومة أظافرهم.

باعت كل ما تملك من ذهبها، واقترضت المال من كل من تعرف، لتبني عمارة على الأرض، ثم تعيد بيعها كشقق متفرقة.

وحيدة ومطمعًا في عالم ذكوري من الدرجة الأولى، خطت خطواتها الأولى في مجال العقارات، ونجحت، فسدت ما عليها، واستعدنا شيئًا من حياتنا القديمة، وحجزت جزءًا من المكسب لتشتري به أرضًا أخرى جديدة وتعيد الكرة.

لكن كان عليها أن تدفع ثمن كل هذا تعبًا ومعاناة لا يُحتملان، خاصة وأنها كانت مريضة سكري منذ كانت في العشرينات، أكل المرض تقريبًا عينها اليسرى، التي أصبحت بالكاد ترى بها.

لم يمنعها عالم العقارات من أن ترعى أولادها وتحسن تنشئتهم. يكفي ما قدمته لأختي أميرة، أصغرنا، والتي وُلدت طفلة داون، بضمور في جزء من المخ. طفل داون يحتاج لرعاية مشددة وخاصة، فما بالك إذن بطفل داون مخه ضامر.

أذكر ذلك اليوم في عام 1995 حين أخبرها الطبيب بأن حالة أميرة متأخرة للغاية، وأن خير ما يمكن أن تفعله لها هو أن تنتظر موتها.

على مر عشرين عامًا شهدت بنفسي المعجزة؛ قطعة اللحم الرخوة الصغيرة جدًا كبرت، وصارت تمشي وتضحك وتملأ العالم مرحًا من حولها، رغم كل الصعوبات.

عشرون عامًا من الجري بها على المستشفيات وعيادات التخاطب والعلاج الطبيعي، والصبر، ومواصلة السعي، ثم الصبر مرة أخرى، ثم السعي لإلحاقها بمدارس تناسب وضعها، ثم متابعة دراستها. أنا ممتنة جدًا لأمي على هذه المعجزة.

كانت ماما، رغم وحدتها، لا تعرف الكلل ولا تتهاون في حق أولادها. أذكر جيدًا ذلك اليوم حين كان أخي في الثامنة من عمره يلعب الكرة مع أصحابه في الشارع، وخبطت الكرة في واجهة أحد المحلات، ليخرج صاحبها غاضبًا مزمجرًا، ويمسك بأخي ليصفعه، بعد أن سأله: ابن من أنت؟ وعرف أن أباه متوفى. حين عرفت ماما، ارتدت ملابسها على عجل، وسارعت باصطحاب أخي إلى حيث المحل، وكان مزدحمًا في الداخل. سألته عن الذي ضربه، وحين أشار إلى الرجل، صفعته ماما كفًا مفاجئًا أمام كل الحضور، دون سابق إنذار، فهاج كثور وأقدم على محاولة ضربها، وهنا خلعت حذاءها وواصلت ضربه، وحال بينهما الناس. توعدته بعمل محضر، لكن الناس تدخلوا للإصلاح بينهما، وجاءها الرجل في النهاية صاغرًا معتذرًا عن ضرب ابنها.

نفس الأخ هذا، حين التحق بالثانوية العامة، كانت تلاحقه في كل مكان حتى تتأكد من حضوره لدروسه والتزامه بدراسته، وتبعده عن مقاهي الإنترنت التي كانت منتشرة وقتها. كان شقيًا، صعب المراس، وكثيرًا ما هرب من الدروس ليلعب الجيمز في مقهى إنترنت يبعد بثلاث شوارع عن بيتنا. كانت تعيّن لها جواسيس يرنّون عليها إذا ما وجدوه داخلًا إلى المقهى، كصاحبة الصيدلية المقابلة للمقهى، والبقال على ناصية الشارع. قبضت عليه مرة متلبسًا، وقتها لم تهاجمه فقط، بل هاجمت صاحب المقهى وتوعدته بالويلات إن سمح لأخي بدخول المقهى عنده مجددًا! وأخيرًا نجح أخي في الثانوية بفضل جهودها.

لم تكن ماما جمهوري الوحيد، بل لم تكن من جمهوري مطلقًا. كانت علاقتنا متوترة للغاية. كابنة، عانيت معها كثيرًا، فخلف كل تلك القوة والقسوة في الواجهة، كان هناك إنسانة ضعيفة خائفة تحب عيالها بجنون، وتخاف عليهم من الهوى الطائر.

لم تخلُ علاقتنا من العنف الجسدي والنفسي، لأنها طيلة الوقت كانت مهووسة بالسيطرة وإظهار القسوة كأم وأب معًا، وقد كنت وقت وفاة بابا مراهقة تحتاج لمن يضمها، لا من يعنفها. أدى هذا لكثير من مشاكلي النفسية اليوم، وخوفًا من أن أصير أمًا مثلها لفظت الأمومة بعيدًا عني وامتنعت عن الإنجاب.

اليوم، وأنا في مثل عمرها، أفهم جيدًا ذعرها وعنفها وصوتها العالي، وتدخلها في كل التفاصيل، وقيودها التي لا تنتهي. اليوم أرى الحب وحده في كل ما كانت تفعل، وأي أذى لحق بنا جراء هذا كان بالتأكيد غير متعمد، كان عن جهل وعن حب معًا في نفس الوقت.

عرفت ماما كإنسانة وأحببتها، وقدّرت معاناتها بحق، حين تحملت مسؤوليتي واستقللت بحياتي وتزوجت. أدركت جزءًا يسيرًا من مسؤولياتها، فهمت الحمل الذي كانت تنسحق أسفله. استحالت علاقتنا إلى صداقة، وكان ذلك – يا للأسف – متأخرًا للغاية، منذ خمس أعوام فقط قبل وفاتها.

جلّ ما كانت تحلم به أن ننهي جميعًا تعليمنا العالي ونتزوج، وتحمل أحفادنا بين يديها.

هذه كانت رسالتها وطموحها الأول والأخير في الحياة. وإنه من المحزن أن ذلك لم يتحقق قبل وفاتها.

يؤسفني اليوم أني لم أكن قريبة منها بما يكفي لأعرف أغنيتها أو فيلمها المفضلين.

أعرف أن وردة مطربتها المفضلة، وأنها كانت تحب مشاهدة مسلسل عائلة الحاج متولي. وأذكر أنه في بعض الأحيان كانت تستمع سرًا لأغنية “الأطلال” لأم كلثوم، وتحب سماع القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

في أعوامها الأخيرة كانت تتابع المسلسلات التركية الرومانسية والسورية وبعض المسلسلات الهندية، وكانت كثيرًا ما تبكي تأثرًا.

لونها المفضل كان البنفسجي. كانت تتابع أيضًا، في السنوات الأخيرة، برامج الطهي، وكانت تحب أن تجرب الوصفات الجديدة في مطبخها. كانت لا تحب الخروج، وتعيش في تقشف، وتقول إننا الأولى بكل قرش.

حلمت بأن أشتري لها هدية يومًا بيتًا في ساحته نافورة وحديقة صغيرة، كتلك البيوت التي كانت تشاهدها في المسلسلات وتبدي إعجابها بها.

رفضت أن تنفق أيًا من أموالنا على جراحة القلب المفتوح التي كانت تحتاجها، وأخبرتنا أنها لن تكرر خطأ بابا، وتنفق المال على جراحتها وتتركنا عرايا ومفلسين هكذا. وهكذا صممت على أن تُجرى لها الجراحة في مستشفى حكومي، حيث وافتها المنية

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان

أقرأ أيضًا

IMG-20260321-WA0035
عيد الأم.. حكاية لا تختصرها مناسبة
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب
فنان الكاريكاتير سعد حاجو
فنان الكاريكاتير سعد حاجو يكتب: أمي.. فدوى قوطرش
IMG-20260320-WA0000
الموسيقى والسمك المملح واللبس الجديد.. تقاطعات بين عيدي الأحفاد والأجداد