يعيش قطاع التعليم أزمة حادة في مصر منذ سنوات، تتجسد أحد أهم تجلياتها في غياب التلاميذ عن مقاعد الدراسة، وخلو الفصول من طلابها أحيانًا، ومدرسيها غالبًا، وبين يأس الطلاب من الحضور اليومي نتيجة غياب المدرسين، وغياب المعلمين الذين يبحثون عن أجور أفضل توفرها لهم الدروس الخصوصية، تهوي الفصول خاوية، ولا نعلم متى يعود التلاميذ؟
ناقش موقع “القصة” خبراء التعليم، الذين تباينت آراؤهم بين أن الوزارة تستهدف تحقيق أكبر نسبة حضور، فيما اعتبره آخرون فشلًا وسوء إدارة تناست أنها تتعامل مع طلاب في سن المراهقة واعتبروها دعوة للانحراف، فيما يشكو المدرسون سوء حالهم وتدني مرتباتهم في مواجهة غلاء المعيشة.
سوء معاملة وغياب استفادة
تعرضت الطالبة حبيبة أمين خلال دراستها الإعدادية إلى مواقف مختلفة من الاضطهاد وسوء المعاملة من أساتذتها الذين لم يكونوا يحضرون الحصص إلا قليلًا، ما جعلها بعد دخولها المرحلة الثانوية تعزف عن الذهاب تمامًا إلى المدرسة بسبب سوء معاملة الأساتذة، فضلًا عن عدم استفادتها مما يقدمونه من مادة تعليمية.
تتذكر حبيبة أحد تلك المواقف في حديثها مع القصة: “لم أكن آخذ درسًا خاصًا مع أستاذة اللغة العربية، وكانت تعلم أنني أذهب لدرس مع أستاذ آخر، رسبت في مادتها بعد أن أعطتني صفرًا في أعمال السنة، لكن في العام التالي اضطررت لأخذ درس معها، رغم عدم استفادتي من شرحها، لكنها أعطتني الدرجة الكاملة لأعمال السنة”.
فصل عشرات الطلاب
كانت في وقت سابق قد أصدرت إدارة الدقي التعليمية قرارًا بفصل 55 طالبًا وطالبة بالمراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتقرر رسميًا فصل 10 تلاميذ وطلاب من المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وفصل 45 طالبًا بالصفين الأول والثاني الثانوي بعدد من المدارس بسبب تغيبهم عن المدرسة، وعدم التزام بعضهم بالزي المدرسي، وارتكاب بعضهم مخالفات تربوية.
وعللت إدارة الدقي التعليمية قرارات الفصل في إطار حرص وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني على تطبيق قواعد الانضباط المدرسي وضمان انتظام العملية التعليمية، وتنفيذًا لتعليمات سعيد عطية، قائد تعليم الجيزة.
كما أعلنت إدارة الهرم التعليمية أنه قد تقرر رسميًا فصل عدد 45 طالبًا من الصف الثاني الثانوي وعدد 15 طالبًا من الصف الأول الثانوي لتجاوزهم نسبة الغياب المقررة وفقًا للتعليمات الوزارية المنظمة للانضباط المدرسي.
تردي مرتباتنا وغلاء معيشة
حبيبة ضمن ملايين الطلاب الذين يتغيبون عن المدرسة في مختلف أنحاء مصر، بينما تتعالى أصوات المعلمين غضبًا من تردي رواتبهم وتحولهم إلى مراكز الدروس الخصوصية.
يعدد المعلمون أسبابًا أخرى لغياب الطلاب، أهمها عدم قدرة الأسر على تحمل كل هذه النفقات، بحسب مدرسة اللغة الفرنسية نجلاء فتحي في حديثها لموقع القصة: “الحالة الاقتصادية المتردية للكثير من العائلات هي ما يدفعهم لتغيب أبنائهم عن الدراسة بعض الأيام لتوفير أموال المواصلات من أجل ميزانية الدروس الخصوصية، فضلًا عن خلو الفصول من معلمين بسبب العجز في أعداد المدرسين”.
تتفق مع هذا الكلام أسماء فوزي، مدرسة علم النفس والاجتماع، وأضافت: “لا يوجد أي إفادة من الذهاب إلى المدرسة، الأساتذة الذين يتواجدون لا يشرحون شيئًا للطلاب لإجبارهم على دروس خصوصية، ويقومون بإنقاص درجات أعمال السنة لمن لا يأخذون دروسًا معهم”.
وترحب فوزي بقرار التقييمات التي أمر الوزير بها، لكنها تخشى من تلاعب بعض الأساتذة بطلابهم عبر أسئلة تعجيزية تجبر الطلبة على الاحتياج للدروس الخصوصية.
استهداف تحقيق أعلى نسبة حضور
من جانبه يوضح أستاذ ورئيس قسم المناهج والتدريس بجامعة عين شمس الدكتور حسن شحاتة، أن قرارات الوزارة تستهدف تحقيق أعلى نسبة مئوية لحضور الطلاب والانتظام الدراسي، وتحقيق أعلى نسب النجاح للمتعلمين، حيث يتم التقييم من قبل المركز القومي للتقييم والامتحانات.
وأضاف في تصريحاته لـ”القصة”: “تقوم الوزارة باستخدام أساليب علمية جيدة، يساعدها التقييم على معرفة أسباب الخلل ومعالجتها فورًا، ويساعد الآباء على معرفة واقع تعليم الأبناء لتعديل مسارات الطلاب وتحقيق النجاح بشرط صدور البيانات من الموقع الرسمي لوزارة التربية والتعليم حتى نضمن سلامة البيانات”.
قرارات مرفوضة تدعو للانحراف
بدوره يرفض الخبير التربوي طلعت عبد الحميد أستاذ العلوم التربوية بجامعة عين شمس قرارات الفصل واعتبرها غير تربوية على الإطلاق، أو بمعنى آخر لو “ابنك أخطأ هتطرده من البيت”، ونفس الطالب الذي تقوم بفصله تعطيه فرصة للقيام بتصرفات خارج الرقابة، وهنا قرارات الفصل مرفوضة تمامًا لأنها تعني دعوة للانحراف.
وأضاف عبد الحميد علينا البحث عن الأسباب مثل سوء معاملة المدرسين للطلاب والبحث في رفع رواتبهم والبحث في إيجاد الحلول لمسألة البحث عن آلية عقاب غير الفصل داخل المدرسة وليس خارجها، خاصة أننا نتعامل مع مراهقين.
وعن تسليع التعليم حذّر عبد الحميد، من خطر التوجه النيوليبرالي والتركيز على القيم المالية، معتبرًا ذلك خطرًا في دولة فقيرة، فنحن لسنا أمريكا، فلا الدستور ولا القوانين تشير إلى ذلك، خاصة أن التعليم حق من حقوق الإنسان، وهو تأهيل، فالتربية والتعليم يعملان على تأهيل وتنمية مواطن متمكن من قدرات ومهارات معينة لأداء مهام معينة في المجتمع تمامًا.
ويذكر أن إنفاق التعليم في مصر لا يتجاوز 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فمخصصات الإنفاق على التعليم في مصر بلغت في موازنة العام المالي الحالي 315 مليار جنيه، ما يعادل وفقًا لسعر الصرف الجاري اليوم حوالي 6.6 مليار دولار فقط.