بين لغة التهديد بـ “الخراب التام” وتهميش المؤسسات، يواجه النظام الدولي في عهد ترامب حالة من السيولة الخطرة، حيث حل “منطق القوة” محل القانون الدولي، وتحولت الأزمات الإقليمية إلى ورقة في يد إدارة أمريكية تعاني من ارتباك استراتيجي، مما يفتح الباب واسعاً أمام إعادة رسم خريطة المنطقة وفق الطموحات التوسعية الإسرائيلية.
منطق “الخطف” وانهيار القانون الدولي
أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن الإدارة الأمريكية في ولاية ترامب الثانية قد أعلنت فعلياً تبرؤها من القانون الدولي والمنظمات الأممية، متبنيةً منهج “القوة الغاشمة”.
واستحضر سلامة خلال حديثه لـ”القصة” نموذج “فنزويلا” واختطاف رئيس من قلب غرفته الخاصة كدليل قاطع على أن المنطق السائد هو “منطق القوة” لا القانون، هذا النهج ينسحب اليوم على إيران، حيث التهديد بتحويلها إلى “عصر حجري” وقصف بنيتها التحتية المدنية (كهرباء ومياه)، وهو ما يعد مخالفة صريحة لقواعد الاشتباك والقانون الدولي التي تحصر الحرب في الأهداف العسكرية.
ارتباك “استراتيجية الخروج” من المستنقع الإيراني
ورأى الدكتور سلامة، أن تصريحات ترامب المتقلبة تجاه إيران -التي تتأرجح بين التهديد بالمحو وبين الزعم بأن الإيرانيين “يتوسلون” لوقف النار- لا تعبر عن سياسة ثابتة، بل عن “حالة ارتباك” تعكس:
أزمة داخلية: محاولة امتصاص غضب الشارع الأمريكي والقوى السياسية (ديمقراطيين وجمهوريين).
هدف اقتصادي: التلاعب بأسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
البحث عن مخرج: يصف سلامة تصريحات ترامب بأنها محاولة لـ “تنسيق صورة” للخروج من “المستنقع الإيراني” دون هدف أو بوصلة، تمهيداً لادعاء أنه أوقف الحرب استجابة لمطالب دولية، متراجعاً بذلك عن كل خطوطه الحمراء السابقة (مضيق هرمز، اليورانيوم، وغيرها).
“إسرائيل الكبرى”.. المستفيد من الفوضى
وحذر التحليل من أن استمرار التصعيد يخدم أجندة إسرائيلية تهدف إلى إطالة أمد المواجهات لخلخلة التوازن الاستراتيجي.
وربط أستاذ العلوم السياسية، بين تهديدات ترامب وتصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب حول “حق إسرائيل في التمدد” وفق نصوص توراتية مزعومة لتشمل غزة، الضفة، جنوب لبنان وسوريا، مشيرًا إلى تصريحات نتنياهو الأخيرة حول سعيه لتنفيذ مخطط “إسرائيل الكبرى” وتفكيك إيران، مما يجعل من “بنك أهداف” إسرائيل خطرًا وجوديًا يهدد التوازن الإقليمي بالكامل.
“أنا المؤسسة”.. أزمة الحكم والانفراد بالقرار
في لحظة فارقة تكشف عمق الأزمة، رد ترامب في 28 فبراير على سؤال حول الجهات التي استشارها في هذه المواجهات بعبارة واحدة: “استشرت نفسي” هذا الانفراد بالقرار والضرب بعرض الحائط بمؤسسات الدولة (الكونغرس وأجهزة المعلومات) أدى إلى: وصول شعبية ترامب إلى أدنى مستوى تاريخي (33-34%).
عزلة أمريكية دولية؛ حيث بدأت كبرى الصحف الأمريكية مثل “نيويورك تايمز” تكتب عن “أمريكا وحيدة” (America Alone)، مما يؤدي لتآكل ثقة الدول الداعمة للديمقراطية والقانون الدولي في النموذج الأمريكي.
الحاجة لاستعادة “القوة العربية المشتركة”
واختتم الدكتور حسن سلامة تحليله، بأن هذا المشهد المضطرب يفرض على القوى العربية التفكير بطريقة “استباقية” لحماية أمنها القومي، واسترجع سلامة هنا الدعوة المصرية التي أطلقها الرئيس قبل 10 سنوات لتشكيل “قوة عسكرية عربية مشتركة”، مؤكداً أنها باتت اليوم ضرورة ملحة لصيانة الأمن القومي العربي في ظل انهيار القواعد الدولية وتصاعد الطموحات التوسعية في المنطقة.