أحدثت استقالت جو كينت جدلًا واسعًا خلال الساعات الماضية، بعدما جاء فيها أن مشاركة أمريكا في الصراع ما هو إلا فخ أوقعت إسرائيل الولايات المتحدة فيه، وأن إيران لم تكن تشكل تهديدًا أو خطرًا على أمريكا.
استقالة مدير مكافحة الإرهاب
وعلى الجانب الآخر، قال الرئيس دونالد ترامب عن هذه الاستقالة التي قدمها جو كينت، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب إنه “أمر جيد”، جاء ذلك بعد احتجاجه على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وتواصل “القصة” في هذا السياق، مع حارث الحلامة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مؤتة، وصرّح قائلًا: استقالة كينت تبين حجم الرفض الأمريكي الداخلي لقرار الرئيس ترامب في الحرب ضد إيران، فهو جزء من مجموعة كبيرة من هم في مؤسسات صنع القرار الأمريكية الذين يرون أنها حرب عبثية لا تخدم المصالح الأمريكية ولا تعالج أي مخاطر يمكن ان تتشكل.
وأردف: فطبيعة منصبه تبين مدى إطلاعه على عدمية الحرب باعتباره مختصًا مسؤولًا عن ملف لمحت الإدارة الأمريكية أنها من أسباب هذه الحرب؛ لذلك تأتي الاستقالة لتنسف كل الرواية الأمريكية حول هذه الحرب وربما سنرى في قادم الأيام استقالات أكثر حول قرار الحرب، خصوصًا في ظل غياب أي تقارير أو أدلة حول وجود هجوم إيراني وشيك.
صراع إيران فخ استراتيجي من صنع إسرائيل
وأردف أن هذه الاستقالة هي بداية لكرة النار التي بدأت تتدحرج اتجاه شرعية قرارات الرئيس الأمريكي وعدميتها، وعدم تلبيتها للمصالح الأمنية الأمريكية، ولا تلبي الرغبة الشعبية للداخل الأمريكي الذي لا يحبذ الدخول في حروب، وهي ليست إلا فخ استيراتيجي أوقعت إسرائيل به الولايات المتحدة وادخلتها في حرب غير واضحة الاستراتيجية، وعدم اتساق الرؤيا والملامح.
وأضاف أن حجم الرفض والغضب الشعبي يتضح تجاه ما يفعله الرئيس الامريكي دونالد ترامب في ظل قناعات بعدم جدوى الحروب لتحقيق الأهداف.
وأكمل أن المجتمع شبه متفق على أن التدخل الخارجي العسكري لا يخدم مصلحة الولايات المتحدة بل أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي المعلنة بشهر نوفمبر من العام الماضي، تتحدث عن الرفض الأمريكي لأي تدخل خارجي، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى ورفضًا لأي تدخل عسكري.
واستطرد، فالاستقالة ستزيد حالة النزاع الداخلي بين التيارات السياسية في ظل القناعة بأنها ليست أكثر من حرب استنزاف ترهق الاقتصاد الأمريكي، كما أنها ستخلق شرخ وحالة عدم ثقة من قبل حلفاء الولايات المتحدة، ورأينا ذلك في حجم التردد الدولي في التدخل لجانب الولايات المتحدة؛ استجابة لطلب الرئيس ترامب مما يعني أن الحرب بدأت تفقد الكثير من حلفاء واشنطن.
وأكد حارث الحلالمة لـ “القصة” أن قد تبين حجم التضليل الإعلامي للداخل الأمريكي للبحث عن شرعية دخول الحرب، ومنحها ما يكفي من حشد الدعم الداخلي للحرب، ولا نغفل العامل الشخصي بفقدان زوجته لتحريك ضميره بأن يصرخ بكفى لهذه الحروب العدمية النابعة من قرار رئيس متعجرف ولا يحترم سيادة الدول ولا القانون الدولي.
الاستقالة تكشفت انقسامًا داخل بنية القرار الأمريكي
فيما قال الدكتور ميسرة مصطفى بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات في برلين، إننا أمام صراع على تعريف الخطر نفسه، لا مجرد خلاف إداري، حين يقول مسؤول بهذا الوزن إن إيران لم تكن تمثل تهديدًا وشيكًا، فهذا يعني أن الشرخ وقع في أصل المبرر، لا في الهامش، ولذلك يمكنني القول إن الاستقالة كشفت انقسامًا داخل بنية القرار الأمريكي، وهذا بحد ذاته مؤشر على ارتباك استراتيجي لا يجوز التقليل من شأنه.
وأشار ميسرة بكور في تصريحات لـ “القصة” إلى أن في الحقيقة، أفهم العبارة “فخ التضليل” على أنها وصف لآلية دفع سياسي وإعلامي، لا لكذبة منفردة، أي أن رواية الخطر جرى تضخيمها وتكرارها حتى بدت كأنها حقيقة محسومة، بينما هي، في أصلها، محل نزاع داخل الدولة نفسها، وحين يتحدث كينت عن بيئة معلوماتية مغلقة أوهمت الرئيس بوجود تهديد وشيك وبطريق سريع إلى النصر، وهو ما يمكن تسميته بـ”غرفة الصدى” بالمعنى السياسي الدقيق، فهو يطعن في البيئة التي صُنعت فيها القناعة، لا في تفصيل عابر.
وأوضح، أن هناك شبه قائم، بين الذرائع الحالية والذرائع التي سبقت غزو العراق، ولكن في الآلية أكثر من الملف، في الحالتين هناك تضخيم للخطر، وتقليص لمساحة الشك، ودفع للاعتراض إلى الخلف، الفرق أن العراق 2003 دار حول أسلحة دمار شامل، أما هنا فالمسألة تدور حول توسيع معنى “التهديد الوشيك” إلى الحد الذي يجعل الحرب تبدو ضرورة لا خيارًا.
واستكمل، لهذا أقول إن التشابه الحقيقي هو في طريقة تصنيع الشرعية للحرب، وما يمكنني قوله هو أن الاستقالة لا تثبت وحدها وجود مؤامرة، لكنها تكشف بوضوح أن صوت التصعيد كان أعلى من صوت المراجعة، والدليل أن المسار السياسي داخل واشنطن لم ينجح في كبح الحرب؛ فمجلس النواب رفض مشروعًا كان سيُلزم الإدارة بالحصول على تفويض من الكونغرس، وفي الوقت نفسه طالب أعضاء في مجلس الشيوخ بجلسات استماع علنية تحت القسم، مما يعني أن معسكر الدفع نحو الحرب كان، حتى الآن، أكثر فاعلية من معسكر الاحتراز.
الاستقالة تمنح الكونغرس مادة قوية للضغط
كما قال، إن الاستقالة تمنح الكونغرس مادة قوية للضغط، لأنها صادرة من داخل جهاز أمني رفيع، لا من المعارضة فقط، لكن يجب أن ننظر إلى الواقعة كما هي: أدوات الرقابة موجودة، غير أن الإرادة السياسية لتفعيلها ما تزال محدودة، بدليل فشل محاولات تقييد الحرب حتى الآن؛ لذلك أرى أنها قد تفتح باب التدقيق، لكنها لا تكفي وحدها لصنع انعطاف مؤسسي كبير.
واختتم : برأيي، هذه المكاشفة سترفع كلفة التوسع في الحرب داخل واشنطن، لكنها لن تنهي الاشتباك، والإدارة الأمريكية ستصبح أكثر حذرًا في تسويق أي تصعيد جديد، لأن رواية “التهديد الوشيك” تعرضت لشرخ علني من الداخل، أما طهران فستقرأ ذلك باعتباره علامة انقسام، وقد تحاول استثماره بردود محسوبة لا تفتح حربًا شاملة ولا تسمح أيضًا بمرور الضربات بلا ثمن، وبمعنى أدق: المرحلة المقبلة قد تكون أقل صخبا في الخطاب، لكنها ليست بالضرورة أقل توترا على الأرض.
وأكد ميسرة بكور لـ “القصة” إن استقالة جو كينت لا تكشف الحقيقة كلها، لكنها تسحب من قرار الحرب أهم ما كان يحميه، ادعاء الإجماع داخل الدولة الأمريكية نفسها.