أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

الأمومة بين الواقع الوردي والتحدي والتضحية

في غرفة يملؤها صمت الليل، تقف امرأة منهكة بجوار سرير صغير تحمل رضيعاً يبكي، ولا تدري سبباً محدداً لدمعه. إنها لحظة تبدو بسيطة للمجتمع، لكنها تعج بالعواصف الداخلية. إنها الأم الجديدة التي دخلت فجأة إلى عالم المسؤوليات اللامتناهية، حيث تحولت حياتها بين ليلة وضحاها إلى سلسلة من المهام المتتالية التي لا ترحم: رضاعة وغيار وتهدئة، كل ذلك بجسد منهك وعقل مرهق من قلة النوم.

في مجتمعنا كثيراً ما تُختزل الأمومة في صورة وردية من الحب والفرح، لكن القليلين من يتحدثون عن الثمن النفسي والجسدي الباهظ الذي تدفعه المرأة. فبعد الولادة، تجد الأم نفسها في مواجهة مع واقع قاسٍ: بين جسدٍ تغير، ونومٍ متقطع، وشهيةٍ ضائعة، وشعورٍ دائم بالإرهاق. إنها عملية تأقلم صعبة مع كائن صغير يعتمد عليها في كل شيء، بينما هي نفسها تحتاج إلى من يدعمها ويفهم ما تمر به.

الأصعب من ذلك كله هو ذلك الصوت المجتمعي الذي يهمس في أذنيها: (الكل بيخلف… مش إنتِ الوحيدة، إنتِ بتدلّعي). كلمات تحمل في طياتها إنكاراً لمشاعرها الطبيعية، وتحميلها مسؤولية الشعور بالإرهاق، وكأن الأمومة يجب أن تمر بلا تعب أو شكوى. إنه العبء المزدوج: تتحمل مشاق الرعاية ثم تتحمل لوم المجتمع لمجرد أنها تجرؤ على التعبير عن إرهاقها.

أخبار ذات صلة

هارون الهواري
هذا هو قَدَرُ مصر.. "الكبير" في الأزمات والملمّات في المنطقة
مجلس النواب
تحرك برلماني بشأن منصات الدروس الخصوصية وغياب الرقابة عليها
الزمالك
تشكيل الزمالك لمواجهة أتوهو في الكونفدرالية

إن قلب المعاناة يكمن في الحاجة إلى دعم عملي وعاطفي حقيقي. ليست الأم بحاجة إلى كلمات إطراء سطحية، بل إلى وجود شريك يقف بجانبها في التفاصيل الصغيرة المؤلمة: يساعد في تحضير الرضعة، ويتولى المهمة في منتصف الليل لترتاح ساعات قليلة، يسمع شكواها دون حكم، ويكون سنداً لها عندما تشعر أن الأرض تنهار من تحت قدميها. فالأم تحتاج إلى من يذكرها أنها لا تزال هي نفسها، وأن التغيرات التي تمر بها مؤقتة، وأن جمالها لم يختفِ بل تحول إلى شكل آخر من القوة. تحتاج إلى من يقول لها: (أنتِ تقومين بعمل رائع)، (شكراً على كل ما تفعلينه)، (أنا أرى تعبك وأقدّره). كلمات بسيطة قد تكون المنقذ من دوامة الإرهاق النفسي.

الأمومة رحلة طويلة وليست محطة عابرة. فالخطأ الشائع هو اختصار تحديات الأمومة في الأشهر الأولى بعد الولادة. الحقيقة أن الأمومة مسؤولية ممتدة عبر الزمن: من الرضاعة إلى الفطام، من الحفاضات إلى المدرسة، من التمارين والمتابعة الطبية إلى المساعدة في الواجبات المدرسية والتربية والتوجيه. إنها وظيفة متعددة المهام، بدون إجازات، بدون عطلات نهاية أسبوع، وبدون تقدير مادي.

كل مرحلة من مراحل الأمومة تحمل تحدياتها الخاصة: التحدي الجسدي في البداية، التحدي النفسي مع نمو الطفل، التحدي الاجتماعي عند اندماجه في المجتمع، والتحدي التربوي المستمر. إنها مسيرة طويلة تحتاج فيها الأم إلى دعم متواصل، وليس مجرد اهتمام عابر في الفترة الأولى.

بالنسبة للعمل، فعندما تقرر الأم العودة إلى العمل تواجه العنف المؤسسي وقوانين عمل ظالمة لا تراعي احتياجات الأم العاملة في كثير من المجتمعات، وبيئات عمل غير داعمة لحاجات أساسية، كإجازات الأمومة القصيرة، وعدم وجود حضانات في أماكن العمل، وساعات العمل الطويلة التي لا تراعي ظروفها. كلها عوامل تجعل الأم تشعر بأنها تخوض معركة في جبهتين.

في مكان العمل قد تواجه الأم عنفاً خفياً، كالترقيات المتأخرة، ونظرات استنكارية عندما تغادر في الوقت المحدد لترعى طفلها، وتعليقات زملاء العمل الذين يعتبرون التزامها العائلي (عائقاً مهنياً). هذا العنف المؤسسي يرسل رسالة واضحة: إما أن تكوني أماً كاملة أو موظفة متميزة، ولكن لا يمكنكِ الجمع بينهما.

رؤية للتغيير

العلاج يبدأ بالاعتراف بأن الأمومة صعبة، وأن التعب ليس ضعفاً، وأن طلب المساعدة ليس عيباً. يحتاج المجتمع بكل أفراده — الزوج، العائلة، الأصدقاء، المؤسسات — إلى تغيير نظرتهم للأمومة.

أما على المستوى التشريعي، فتحتاج المجتمعات إلى قوانين عمل تراعي الأمهات: إجازات أمومة كافية، مرونة في ساعات العمل، حضانات في أماكن العمل، وحماية من التمييز بسبب الوضع العائلي.

وعلى المستوى الاجتماعي، يجب التوقف عن إصدار الأحكام على شكل الأم أو أدائها، وبدلاً من ذلك تقدير الجهد الخارق الذي تبذله. وعلى الزوج أن يكون الشريك الحقيقي لا المتفرج الذي يمدح من بعيد. وعلى العائلة أن تقدم الدعم العملي، لا النصائح فقط: تقديم وجبة، الجلوس مع الطفل ساعة، الاستماع دون حكم. وعلى المجتمع أن يتوقف عن إصدار الأحكام على شكل الأم أو أدائها، وبدلاً من ذلك تقدير الجهد الخارق الذي تبذله.

كونكِ أماً هو شرف وتحدٍّ. فلكل أم تقرأ هذه الكلمات: أنتِ بطلة بالفعل. تعبكِ حقيقي، مشاعركِ شرعية وطبيعية، وصعوبة الطريق لا تنقص من قدرك. كونكِ أماً لا يقلل منك، بل يضيف إلى شخصيتك أبعاداً من القوة والصبر لم تكن تعرفينها من قبل.

الأمومة شعور مؤلم بقدر ما هو جميل، مرهق بقدر ما هو ممتلئ بالحب. لكن الجمال الحقيقي يظهر عندما نعترف بالتحدي ونعمل معاً لتجاوزه. دعونا نخلق مجتمعاً يحتوي أمهاته، ويُقدر تضحياتهن، ويدعمهن في رحلتهن الصعبة والجميلة، لأن الأم القوية المدعومة هي أساس أسرة سعيدة ومجتمع صحي وآمن.

تذكّري دائماً: أنتِ لستِ وحدكِ في هذا الدرب. طلبكِ للراحة ليس دليلاً على ضعف، بل دليل على إنسانيتك وقوتك واحتضانك لهذا الدور الجديد الذي يحتاج إلى وقت وصبر، والصبر يحتاج إلى دعم من يحبونك.

الأمومة ليست اختباراً للقوة الفردية، بل هي دعوة للمجتمع ككل لتقديم الدعم والتضامن. عندما يدعم مجتمعنا أمهاته، فإنه في الحقيقة يدعم مستقبله كله.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG-20260322-WA0014
"الـ 48 ساعة الأخيرة".. هل يستهدف ترامب البنية التحتية لإيران فعلًا؟
عبد الغني الحايس
عناوين الصحف ودعوة للتفاؤل
تطوير التعليم
 خريطة التعليم الجامعي تتغير.. هل تبدأ مرحلة إعادة هيكلة التخصصات في مصر؟
احتفالات العيد
العيد في زمن الغلاء.. كيف أعادت الأسعار تشكيل طقوس المصريين؟

أقرأ أيضًا

47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب
محمد المنشاوي
حِرَف وحِرَفيون وبينهما زبائن!!