لطالما سمعت عن مبنى جريدة الأهرام العريق الذي ظل صامدًا لعقود، ومع هذا الفضول قررت أخيرًا أن أزور هذا الصرح الذي طالما ارتبط بتاريخ الصحافة المصرية، خرجت من محطة مترو الشهداء، وشققت طريقي بين البائعين والزحام المعتاد للسيارات والمارة، حتى وصلت إلى المبنى القديم الذي يقف شامخًا رغم كل الضجيج من حوله.

ما إن دخلت من الباب الرئيسي حتى لفت نظري اسم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل معلّقًا على الجدار، في واجهة تخلد دوره في تاريخ المؤسسة، وعلى يسار المدخل وقفت أمام قطعة فنية مصنوعة من النحاس تجسد تطور مراحل الكتابة، وهي إحدى أبرز معالم المكان التي تصف رحلته الممتدة عبر الزمن.
واصلت جولتي داخل المبنى، فوجدت مجموعة من المنحوتات الرخامية التي تحمل صورًا وأسماء وتواريخ رؤساء ومديري التحرير الذين مروا على الجريدة، وكأن كل لوحة تروي فصلًا جديدًا من تاريخ الأهرام.
أما أكثر ما جذب انتباهي فكان السلم الحلزوني الشهير داخل المبنى، هذا العمل المعماري البديع الذي يلفت الأنظار بتصميمه الفريد وطريقة بنائه المميزة، حتى إن بعض طلاب الهندسة يقصدونه خصيصًا لدراسته.

حكاية مصر في مبنى عتيق
شهدت مؤسسة الأهرام منذ انطلاقها عام 1875 على يد الأخوين اللبنانيين سليم وبشارة تقلا رحلة طويلة من التطور الصحفي والمعماري، بدأت في الإسكندرية مع صدور العدد الأول من جريدة الأهرام في 5 أغسطس 1876، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى القاهرة أواخر القرن التاسع عشر، ومع توسع المؤسسة وتنامي دورها الإعلامي، أصبح مبنى الأهرام القديم في شارع مظلوم بوسط العاصمة شاهدًا على حقبة مهمة من تاريخ الصحافة المصرية.
ومع حلول ستينيات القرن الماضي، اتجهت المؤسسة إلى إنشاء مقر حديث يواكب التطورات الصحفية العالمية، هكذا وُلد المشروع الذي يُشار إليه اليوم بـ”مبنى الأهرام القديم” في شارع الجلاء، رغم كونه في زمنه تحفة معمارية تمثل أحدث ما وصلت إليه تقنيات البناء والإنتاج الصحفي.

المبنى الذي بدأ تشييده عام 1962 واستمر حتى 1968، حمل توقيع المهندس المصري البارز نعوم شبيب، أحد أهم رواد العمارة الحديثة في مصر، وقد تولى شبيب الإشراف الإنشائي الكامل على المشروع، مستفيدًا من خبرته الواسعة في تشييد مبانٍ تعتمد على الخرسانة المسلحة والتقنيات الحديثة في ذلك الوقت، وبلغت تكلفة المشروع نحو 5 ملايين دولار وفق تقديرات تلك الفترة.
أربع كتل منفصلة بتكوينات منحنية ومستقيمة
جاء تصميم المبنى ليشكل نقلة نوعية في البيئة الصحفية، حيث ضم تحت سقف واحد أقسام الإدارة والتحرير والطباعة والتصوير وغرف التلكس والراديو، إضافة إلى قاعات اجتماعات وصالات عرض ومطعم ومساحات مخصصة لاستقبال الزوار.
أما على المستوى المعماري، فقد تكوّن المشروع من أربع كتل منفصلة بتكوينات منحنية ومستقيمة في آن واحد، مانحًا إياه شخصية بصرية مميزة، وزُينت الواجهة الرئيسية بقاعة زجاجية مضاءة تتجاور مع جدار ضخم من الجرانيت، في تناقض جذاب يعكس روح العمارة الحديثة، كما أصبح السلم الحلزوني داخل المبنى أحد أشهر عناصره الجمالية.
وتُمثل نوفمبر 1968 لحظة فارقة في تاريخ الأهرام، إذ افتتحت المؤسسة مقرها الجديد في شارع الجلاء، لتبدأ مرحلة إعلامية جديدة أكثر اتساعًا وتنظيمًا، فقد اعتُبر المبنى آنذاك مركزًا إعلاميًا متكاملًا من الطراز الأول، وأشاد به صحفيون ومسؤولون داخل الأهرام باعتباره نقطة تحول صنعت ما يشبه “إمبراطورية صحفية” شهدت زيارات من شخصيات عالمية مهتمة بتجربة المؤسسة الرائدة.
أحد أهم العناصر المعمارية الشاهدة على معمار الستينات
يقول الدكتور إسلام عاصم، أستاذ الإرشاد السياحي والخبير الأثري: “يُعتبر المبنى أحد أهم العناصر المعمارية الشاهدة على معمار الستينات في القاهرة، وخصوصًا أن المعماري المصري نعوم شبيب، أحد رواد العمارة الحديثة، هو من صممه، وقبل أن يُوكل إليه بناء مبنى جريدة الأهرام، كان قد انتهى من بناء أحد رموز العمارة الحديثة في مصر، وهو برج القاهرة.

ويضيف “عاصم” لـ”القصة”: “أن نعوم، من خلال شركته للمقاولات، قام بالإشراف على المشروع الذي تكلف مبلغ 5 ملايين دولار أمريكي، وافتُتح سنة 1968، كما صمم مبنى الأهرام من أربعة هياكل تتميز كل منها عن الأخرى في شكلها وموادها وحجمها ونوافذها، وهذه الهياكل المتنوعة منسجمة مع بعضها البعض، وتشكل مجموعة معمارية متناغمة تجمع بين المنحنيات والخطوط المستقيمة، وتتباين القاعة الزجاجية الكبيرة المضيئة الموجودة في الواجهة الرئيسية مع الحائط الطويل المصنوع من حجر الجرانيت.
واختتم “عاصم”: “إن الحفاظ على هوية هذه المباني في وسط البلد واستمرار صيانة واجهاتها أمر مهم، لأنه يعكس الاهتمام بالتراث المعماري ويحافظ عليه للأجيال القادمة”.
وأخيرًا، يُعد المبنى اليوم أحد أبرز نماذج العمارة الحديثة في مصر خلال الستينيات، ودليلًا على قدرة المؤسسات الوطنية على ترجمة طموحاتها الكبرى إلى لغة معمارية واضحة تجمع بين الوظيفة والجمال. ورغم التحديات التي فرضتها تطورات التكنولوجيا الصحفية عبر العقود، ظل المبنى محتفظًا بدوره ورمزيته في ذاكرة العاملين والمهتمين بتاريخ الصحافة المصرية.
وفي نهاية جولتي، خرجت من المبنى وأنا أشعر أنني زرت جزءًا حيًّا من ذاكرة الصحافة المصرية، مكانًا لا يزال ينبض بتاريخ طويل عاشته الأهرام بكل ما تحمله من تأثير وحضور.