ربما ثوانٍ أو دقائق أصبحت بعدها الحياة مختلفة تماما، فتاة صغيرة لا تعرف سوى اللهو واللعب والمرح، لا تعرف معنى الهموم ولا تحمل سوى ضحكتها، حملت في أحشائها جنينا، لم يكن ابناً للخطيئة، نتج بإرادتها ونزقها، لكنه ابن لمغتصب مجرم، فعل فعلته وتركها غارقة وحدها في تحمُّل النتيجة، في مجتمع شريحة كبيرة منه لا تحترم النساء.
حوادث اغتصاب كثيرة، آخرها تلك الخاصة بالعم الذي تجرد من آدميته واغتصب ابنتي أخيه، وحملتا جنينين سيخرجا ليواجها الحياة مع والدتين، هما في الحقيقة طفلتين لم تبلغ أكبرهما 15 عاما، أُجبرتا وغيرهن من المغتصبَات على تحمل تلك المسئولية التي لم يرحمهم القانون منها بتقنين إجهاضا آمنا كملاذ للجميع.
الإجهاض الآمن حق للسيدات والمشرع يرفضه
قال المحامي الحقوقي، ياسر سعد، إن الإجهاض الآمن لا بد أن يكون حق لكل سيدة، وليس قرارا بيد الدولة، خصوصا أن تلك السيدة أيا كانت ظروفها هي من سيتحمل مسئولية الطفل في المقام الأول، وربما تكون المسئول الوحيد عنه.
وأضاف سعد، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أن هناك أوضاعا لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، مثل حوادث الاغتصاب التي نتج عنها حمل، والتي يتعين على المشرع أن يفكر فيها، وفي مستقبل الطفل الناتج عنها، والسيدة التي وُضِعَت في هذا الظرف دون خيارها، مشيرا إلى أن الرأي الوحيد الذي لا بد أن يتدخل مع رأي السيدات في قرار الإجهاض هو الراي الطبي.
ولفت سعد إلى أن الوضع الطبي في مصر يتحدث عن حالات الضرورة، لكن دون نصوص تنظم هذا الأمر في القانون، مردفا: “هناك ضرورات طبية بعيدة عن حالات الاغتصاب لا بد معها إجهاض الجنين، لكن حتى هذه الضرورات لا يعترف بها القانون، أي أنه لا يوجد نص قانوني يحمي المرأة في حالة اضطرارها للإجهاض ولو لسبب طبي مُلزِم”.
وأكد المحامي الحقوقي، أنه سبق وتم طرح قانون المسئولية الطبية أمام مجلس النواب، وتمت بالفعل مناقشته وإقراره، لكن بعد رفض مادة فيه متعلقة بالإجهاض، كذلك المنظمات النسوية تقدمت بمقترحات في إطار القوانين التي تخص السيدات، ولكن تم رفضها.
الحملات النسوية تناضل لحماية الحامل بسبب الاغتصاب
وفي الوقت الذي تناضل عدد من الحملات النسوية من أجل سن قوانين تحمي المرأة في مثل تلك الأوضاع، يرفض المشرع الوقوف إلى جانب السيدات والانتصار لهن، وهو ما أكدته المحامية هبة عادل، منسق اللجنة القانونية لحملة “مش قبل 18” في مصر، حيث قالت إن المادة 260 وما بعدها من قانون العقوبات المصري تجرم الإجهاض بشكل عام، وإن القانون لا يحتوي على نص صريح يبيح الإجهاض في حالات الاغتصاب، حتى لو كانت الضحية قاصر، رغم أن المصلحة الفضلى للسيدات في حالات الاغتصاب تحديدا هي كفالة الإجهاض الآمن لهن.
وأضافت هبة، في تصريحات لـ”القصة”، أن الإجهاض الآمن ليس أكثر ضررا من استكمال الحمل الذي من المحتمل أن يودي بحياة المرأة، ويعرضهت لمخاطر جسيمة، لا سيما إذا كانت صغيرة السن، موضحة: “الطفلتان اللتان تعرضتا للاغتصاب من عمهما لا يزال جسديهما في طور التطور، أي أن قدرتهما على تحمل عناء الحمل والوضع ضعيفة، فإذا كان هناك خوف من عملية الإجهاض، فهناك أيضا مخاوف من عدم تحمل الولادة سواء كانت طبيعية أو قيصرية”.
كفالة القانون للإجهاض الآمن أفضل الحلول
وأشارت عادل إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي اتخذت إجراءات من أجل الفتاتين في الحادث الأخير، من ضمنها رعايتهما حتى اكتمال الحمل، وإيداع الأطفال في دار رعاية، موضحة أن هذا الأمر لا يُعتبر حلا للأزمة، لأنه يحمل من جهة أخرى إجبارا للطفلتين على الأمومة، ما يُعد جريمة في حد ذاته، مؤكدة أن المصلحة الفضلى في مثل تلك الحالات هي كفالة الإجهاض الآمن، لأنه ليس رفاهي ولكن ضروري وإلزامي، حتى لا تضطر المُغتَصَبة على تحمل مغبة الحمل والولادة، واستكمال الحياة بطفل مجهول النسب، أو غير مرغوب فيه، مضيفة: “حتى الطفل نفسه سيعيش منبوذا وبحمل ذنب ليس له يد فيه”.
ولفتت منسق اللجنة القانونية لحملة “مش قبل 18” في مصر إلى أن بعض السيدات تلجأن إلى الإجهاض بشكل سري وغير آمن بسبب القوانين، ما يعرضهن لمخاطر صحية ونفسية شديدة ربما تصل للوفاة، وشددت على أهمية تقنين الأمر في حالات الضرورة من أجل حياة أفضل للسيدات.