كثيرًا ما يشدّني الحنين إلى الماضي، وقت أن تسيدنا العالم وفرضنا مكانتنا وقوتنا؛ فالتاريخ بدأ معنا، ولكنه توقف عند هذا الماضي البعيد، فعشت أتكبد مرارة الحاضر، كنت أطلق لخيالي العنان ليحلم ويعيش في ماضي الأجداد.
ذهبت أنهل من الكتب قدر استطاعتي لأعيش زمانهم، فشاهدت بناء الأهرامات، وانتصار أحمس وتحتمس، وذهبنا حيث ذهبوا وفرضوا سلطانهم، أحببت نفرتيتي، وأُعجبت بحتشبسوت، وحذّرت كليوباترا من الأفعى القاتلة، عشت حيث قرأت، وحاربت وانتصرت، بكيت وفرحت.
وفي كل مرة أعود إلى واقعنا أشعر بالغصة والمرارة، وأتساءل: لماذا عليّ أن أعود؟ سأظل هنا مع المنتصرين، ولن أتجرع مرارة الهزيمة. سأجعل لي من التاريخ صفحات مضيئة؛ سيقولون يومًا إننا كنا هنا، دولة قوية فرضت مكانتها عندما أخذت بكل أسباب المنعة والعزة.
انتبهت فجأة إلى أننا لابد أن نعيش في حاضرنا، ونستحضر ماضينا ليكون داعمًا لنا، وأن نترك لأجيالنا القادمة ما يفتخرون به كما نفتخر بأجدادنا.
العالم المتقدم يتجه إلى الحداثة والتطوير المستمر، آخذًا بكل أسباب التقدم والرقي؛ فكان العلم والبحث العلمي طريقه، ونحن وقفنا نتباكى على زمن كنا فيه نورًا للدنيا كلها، وقت أن حلّ الظلام عليهم.
برعنا في الطب والفلك والهندسة والتحنيط والفلسفة والمنطق، وسكنا القصور، وشيدنا المعابد، وأخذنا بكل أسباب القوة والشموخ، وها هي حضارتنا وإرث أجدادنا سيبقيان شاهدين على قوتنا وريادتنا.
فماذا حدث؟ وما هذا الجمود الذي أصابنا؟
نحن نمتلك الثروة البشرية، والمقومات الطبيعية، والموقع والمناخ، والإرث الحضاري والتاريخي العظيم، لنكون بين كبار دول العالم المتقدم.
هذه ليست مصر التي في خاطري، لذا علينا أن نستحضر هويتنا وقوتنا، وأن يكون ماضينا طريقًا للعبور إلى مستقبلنا وحاضرنا. لدينا من العقول والإرادة ما يمكّننا من تحقيق نهضتنا مرة أخرى، فالعالم تحكمه القوة؛ قوة العلم والتكنولوجيا وأسباب التقدم.
علينا أن نتوقف عن البكاء على الأطلال، وأن نعالج كل القصور الذي جعل جسد دولتنا واهنًا، وأن نعترف بكل أخطائنا، وأن نتجرع مرارة العلاج حتى نصل إلى مبتغانا.
يجب الاهتمام بالعلم، ودعم البحث العلمي، ورعاية المبتكرين؛ فهو ركيزة التقدم الأساسية، وبناء الإنسان لأنه أساس كل تنمية.
ويجب بناء اقتصاد قوي، وعلاج كل تعثر يواجه المستثمرين بشكل حقيقي وفعّال، والانفتاح على العالم المتقدم والأخذ بكل أسباب نهضته، والعمل الجاد والمخلص من كل أفراد المجتمع، والتكاتف والتضافر بين كل مؤسسات الدولة المختلفة لبناء مستقبل مشرق لدولتنا، والاستعانة بالكفاءات وذوي الخبرة، والقضاء على الفساد والمحسوبية، وفتح المجال السياسي؛ فلا سياسة بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بلا سياسة.
ويجب خلق مناخ صحي من الحرية وممارسة الديمقراطية، وتعزيز الهُوية المصرية، وترسيخ قيم المواطنة والتسامح وسيادة القانون، لتحقيق العدالة والمساواة بين جميع أبناء الشعب.
هناك أسباب كثيرة ومعلومة لنعود إلى سابق عهدنا، ونكتب تاريخًا جديدًا لشعب ناهض قوي يسعد فيه جميع أبنائه.
قد نكون بدأنا، لكننا نسير ببطء شديد؛ يجب أن نخرج من عنق الزجاجة إلى رحابة العالم الواسع، في عصرٍ فيه تحولات كبيرة وسريعة… فهلّا بدأنا؟