أعاد الفيديو المتداول مؤخرًا حول ممارسة البشعة إشعال نقاش واسع في مصر حول الموروثات القبلية وحدود العرف في مواجهة القانون.
ففي مشهد جمع بين الصدمة والفضول، ظهر أشخاص يؤدّون طقسًا طالما ارتبط بالمجتمعات القديمة، ليعود إلى الواجهة بقوة في زمن السوشيال ميديا، مُحدثًا حالة من الجدل بين من يراه إرثًا اجتماعيًا لا يزال قائمًا، ومن يعدّه ممارسة قاسية لا تتوافق مع الدولة الحديثة. ومع الانتشار الهائل للمقطع، انتقلت القضية من كونها واقعة فردية إلى مرآة تكشف تعقيدات العلاقة بين التراث الشعبي، والعدالة، وصناعة الترند في الفضاء الرقمي.
طقس للمساءلة أم إرث للعنف؟
تُعدّ البِشعة إحدى أكثر الممارسات الشعبية إثارةً للجدل في مصر، خصوصًا داخل بعض المجتمعات البدوية في سيناء ومناطق من الصعيد وريف الدلتا. تاريخيًا، استخدمتها هذه المجتمعات كوسيلة بديلة لفض النزاعات وكشف الصدق من الكذب، في وقت لم تكن فيه المؤسسات الرسمية، من محاكم وأجهزة ضبط، قادرة على الوصول إلى تلك المناطق بشكل فعّال.
جوهر البشعة يقوم على امتحان لسان المتهم بحديدة مُحمّاة تُعرف بـ”المغرفة”، ويجري تمريرها على اللسان من قِبل شخص يُسمّى “المُبشِّع”، وهو صاحب مكانة اجتماعية واعتبارية، يُنظر إليه بوصفه محايدًا وذو فراسة.
ورغم أن الدولة الحديثة تجاوزت مثل هذه الأساليب منذ عقود طويلة، فإن بقاء البشعة في الذاكرة الشعبية وفي ممارسات محدودة حتى اليوم يفتح الباب أمام أسئلة أكبر: لماذا يستمر هذا الطقس؟ ولماذا يلجأ إليه البعض رغم وجود قانون واضح ومحاكم مختصة؟ وهل ينتمي الأمر إلى تراث اجتماعي يجب الحفاظ عليه، أم إلى بقايا عنف رمزي وجسدي ينبغي مواجهته؟
قراءة فلكلورية لطقس بدوي قديم
يرى خبير الفلكلور المصري، مسعود شومان، أن البشعة “طقس بدوي الأصل”، لكنه ليس محصورًا في الصحراء فقط، بل يمتد إلى مناطق عدة مثل بلبيس وبعض قرى الدلتا.
وقال شومان، إن هذه الممارسة تظهر غالبًا عندما تزداد حدة الاتهامات داخل الأسر أو بين العائلات، خاصة ما يتعلق بالشرف أو السرقات، فيلجأ الجميع إلى المبشّع بوصفه طرفًا محايدًا قادرًا على الفصل دون أن تصل الأمور إلى القضاء.
وشرح، أن المبشّع هو شخصية مركزية في هذا الطقس؛ فهو ليس مجرد منفّذ لإجراء تقني، بل يحمل سلطة رمزية داخل المجتمع المحلي، ويُنظر إليه باعتباره صاحب “بصيرة” وقدرة على كشف الحقيقة، سواء عبر الحدس أو الخبرة أو عبر اعتقاد راسخ لدى السكان بأن المذنب سيظهر عليه أثر الحديدة الساخنة، بينما ينجو البريء دون أذى.
وأضاف في حديثه لموقع “القصة”: “على المستوى الواقعي، يحضر كل المشكوك في أمرهم بالترتيب، ثم يمرّ المبشع بالمغرفة الحارة على ألسنتهم، لكن خلف هذه الممارسة توجد اعتقادات ذات جذور نفسية وميتافيزيقية، تجعل المجتمع مقتنعًا بأن الجاني وحده سيُفضح”.
وأشار إلى أن البشعة تُمارَس غالبًا بـسرية تجنبًا للفضيحة، كما أنها تأتي باتفاق مسبق بين الأطراف، مما يمنحها من وجهة نظر ممارسيها، شرعية اجتماعية وإن كانت خارج إطار القانون.
ممارسة تجمع بين الجهل والخطورة
من جانب آخر، تنظر الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، إلى البشعة بوصفها دليلًا على استمرار مستويات من الجهل والخرافة داخل بعض المجتمعات.
قالت “خضر” بوضوح: “هذه الممارسات تجمع بين الجهل والغباء، وتعكس غياب الوعي بخطورة ما يحدث”. وترى أن الحل لا يكمن فقط في الإدانة، بل في دور الإعلام والفن والمؤسسات الثقافية في إعادة تشكيل الوعي الجمعي”.
وأضافت في حديثها مع موقع “القصة”: “الرئيس يتحدث كثيرًا عن ضرورة رفع الوعي، لكن هذا لن يتحقق ما لم تُقدَّم أعمال فنية خطابات إعلامية، تعيد تعريف المواطن بحدود القانون، وبخطورة مثل هذه الممارسات. نحن بحاجة إلى جهود جماعية منظمة لتحجيم هذا النوع من التجهيل”. وبحسب خضر، فإن البشعة ليست مجرد طقس؛ إنها مؤشر على خلل ثقافي عميق، يجب التعامل معه باستخدام أدوات التعليم لا أدوات العقاب فقط.
الموروث الثقافي وكفاءة إنفاذ القانون
يصف أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق، البشعة بأنها “عادات وتقاليد متخلفة” لا تمت بصلة إلى الدولة الحديثة.
وبحسب صادق: “ليس كل المصريين سواء. هناك مجتمعات ما زالت تعيش بعقلية القرون الوسطى، وأخرى بلغت مستويات عالية من التمدّن. المشكلة أن الدولة لا تمتلك خطة واضحة للتعامل مع المجتمعات التي تعيش خارج القانون الرسمي”.
يعود انتشار الممارسات العرفية، ومن بينها البشعة والثأر، إلى ضعف الثقة في مؤسسات العدالة وغياب قدرة الدولة على فرض القانون على نحو متساوٍ. ويشير إليه صادق في حديثه: “تعثر العدالة هو ما يدفع الناس إلى اللجوء للأحكام العرفية، حيث أن القضاء المصري يعاني ضعفًا هيكليًا في الكفاءة، ما يفتح الباب للبدائل العرفية غير القانونية”.
وحذّر صادق في مستهّل حديثه لموقع القصّة من: أنّ استمرار هذه العادات يصدّر صورة سيئة عن مصر، وتخلق منها صورة وكأنها دولة عالقة في ماضٍ بعيد، بينما العالم يتحرك نحو مؤسسات قوية وقوانين راسخة. ويختتم بالقول: “الدولة الحديثة لا يوجد فيها بشعة”. وجودها دليل على استمرار الدولة شبه الحديثة التي تحدث عنها الرئيس. الأمر يتطلب تحديثًا شاملًا للمؤسسات، وإلا سنظل نعيد إنتاج التخلف جيلاً بعد جيل”. كما يشير إلى أن 80% من ضحايا البشعة بحسب تقديرات اجتماعية هن نساء، ما يجعلها ممارسة تمييزية في المقام الأول.
بين الردع والخرافة.. رؤية أنثروبولوجية
يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور عبدالحميد زيد، أن البشعة “ظاهرة من العصور الوسطى”، لكنها صُمِّمت أساسًا كأداة ردع اجتماعي، لا كوسيلة علمية لكشف الحقيقة. يضيف زيد: “الفكرة الأساسية فيها ليست إثبات الجريمة علميًا، بل تخويف الكاذب ودفعه للاعتراف”. وهو ما يجعلها جزءًا من نظام عقابي عرفي قائم على الردع النفسي والجسدي، أكثر منها آلية للبحث عن الحقيقة.
وأكد زيد في حديثه مع “القصة”: “لا توجد أي أسس علمية تثبت صحة الطقس، وما يحدث في الغالب هو أن المبشّع قد يمتلك فراسة وقراءة دقيقة للغة الجسد، لكنها ليست منهجًا موضوعيًا”.
وأضاف: “أن التخلص من هذه الموروثات ليس سهلًا، لأنها تنتقل عبر الأجيال، وتتجذّر في العقل الجمعي، خاصة في المناطق التي ما زالت الثقة فيها بالمؤسسات الرسمية ضعيفة”.
تكشف قضية البشعة المتداولة مؤخرًا أن الصراع بين العرف والقانون لم يُحسم بعد في مصر. فبينما تقدّم الدولة خطابًا حداثيًا يدعو لهيمنة القانون، لا تزال بعض المجتمعات ترى في الأعراف ضمانة أسرع وأقرب لفهم خصوصياتها. لكن وقع الفيديو الأخير يظهر أن هذه الممارسات لم تعد حكرًا على “المناطق البعيدة”، بل باتت جزءًا من نقاش عام، تُعيد صياغته السوشيال ميديا بآلياتها السريعة والمتقلبة.
فالبشعة في جوهرها ليست مجرد طقس، بل علامة على فجوة أعمق بين الدولة والمجتمع. فجوة قد تتقلص بالتعليم والثقافة وتطوير القضاء، أو قد تتسع إذا بقيت المؤسسات الرسمية عاجزة عن الوصول لكل مواطن، وعن تقديم عدالة ناجزة تُغني الناس عن بدائل خطرة.
كما أنّ إعادة تداول طقس مثل البشعة في القرن الحادي والعشرين ليس مجرد صدفة، بل مؤشر على حالة اجتماعية مركّبة، يختلط فيها الموروث بالخوف، والعرف بالعدالة، والسلطة الرسمية بسلطة المجتمع. وبينما يدعو الخبراء بوضوح إلى مواجهة جذرية لهذه الممارسات، يبقى السؤال: هل تستطيع الدولة الحديثة أن تُنهي إرث القرون القديمة؟ أم ستظل مثل هذه الممارسات تعود إلى الواجهة كلما تعطّلت العدالة وغاب الوعي؟