قبل أسابيع، أعلنت وزارة التربية والتعليم عن “البكالوريا المصرية” باعتبارها مسارًا موازيًا للثانوية العامة، مؤكدة أن النظام الجديد اختياري بالكامل ويمنح الطلاب حرية تحديد مستقبلهم. بدا الإعلان خطوة طموحة تهدف إلى تطوير التعليم وتقليل الضغط النفسي الذي تسببه الثانوية العامة.
وكان التقى وزير التربية والتعليم الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ أيام، وتحدث الأول عن “اختيار الطلاب نظام البكالوريا لأنه يتناسب مع ميولهم وقدراتهم، ويُنهي امتحان الفرصة الواحدة في نظام الثانوية العامة”، وأشار إلى “ازدياد إقبال الطلبة على نظام البكالوريا، بنسبة التحاق زادت عن 90٪ من إجمالي عدد طلاب المرحلة الأولى من الثانوية”.
لكن سرعان ما اصطدمت الأسر بواقع مختلف داخل المدارس، واكتشف كثيرون أن ما قُدم رسميًا بوصفه “اختيارًا” يتحول في التطبيق إلى “إلزام غير مباشر”.
بين المدارس والوزارة: أين ذهب حق الاختيار؟
في محافظات عدة، تحدث أولياء أمور عن مواقف متشابهة: المدرسة تخبرهم بأن الثانوية العامة لن تكون متاحة، أو أن التقديم للبكالوريا هو المسار الوحيد خلال هذا العام، التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية صنع حالة ارتباك واسعة، وأعاد إلى السطح سؤالًا جوهريًا: هل البكالوريا اختيارية بالفعل؟
قال عيسي محمد، وهو ولي أمر لطالبة بالصف الثالث الإعدادي، في تصريح خاص لموقع “القصة“، إنه فوجئ عند ذهابه للمدرسة لاختيار مسار الثانوية العامة بوجود تعليمات داخلية تُشجع وبشكل غير مباشر على الالتحاق بالبكالوريا، رغم رغبة الأسرة في المسار التقليدي.
وأضاف ولي أمر الطالبة، أنه سأل إدارة المدرسة عن إمكانية التحاق ابنته بالثانوية العامة، لكن الرد كان مُربكًا، إذ أُبلغ بأن “المسار الجديد هو الأنسب”، وأن الفصول المخصصة للثانوية العامة سيتم تقليصها، في إشارة فهمها الأهالي بأنها محاولة لإجبار الطلاب على البكالوريا.
وأكد أن تصريح الوزير بشأن “اختيارية النظام” لم يجد صداه على الأرض، قائلًا إن أولياء الأمور يشعرون بأن أبناءهم يدخلون تجربة جديدة دون ضمانات واضحة أو شرح كافٍ.
مدرس حكومي: لسنا ضد النظام
وقال أحد المعلمين بإدارة تعليمية في الجيزة فضل عدم ذكر اسمه في تصريح خاص لـ”القصة“، إن المدارس تواجه ضغطًا كبيرًا مع إطلاق البكالوريا، خصوصًا أن البنية الحالية غير جاهزة لتطبيق مسارين تعليميين في وقت واحد.
وأوضح المعلم، أن بعض المدارس قد تميل إلى التركيز على البكالوريا فقط، بسبب نقص المدرسين المؤهلين لتدريس المواد الجديدة، بالإضافة إلى عدم توافر فصول كافية، وهو ما قد يُفسر شعور الأهالي بأن هناك نوعًا من “الإجبار غير المعلن”.
وأضاف أن “الفكرة جيدة”، لكن تطبيقها يحتاج وقتًا وتدريبًا، ومرحلة انتقالية واضحة، حتى لا يشعر المجتمع بأن أبناءه أصبحوا جزءًا من تجربة تُطبّق قبل اكتمال استعداداتها.
المشكلة ليست في النظام بل في إدارة التغيير
وقال محمد شحاتة، الخبير التربوي، في تصريح خاص لـ موقع “القصة” إن إدخال البكالوريا يمثل خطوة مهمة نحو تحديث التعليم، لكنه يرى أن الأزمة الحالية سببها عدم وجود خطة انتقالية مُحكمة تشرح للطلاب والأهالي ما سيحدث وكيف سيُطبق النظام الجديد.
وأشار شحاتة، إلى أن الإعلان المتكرر بأن “البكالوريا اختيارية” لا يكفي، ما لم تكن هناك إجراءات واضحة في المدارس تضمن هذا الحق.
واختتم الخبير التربوي، أن الأسرة المصرية بحاجة إلى طمأنة حقيقية، وليست مجرد بيانات عامة، لأن التعليم بالنسبة لها ليس قرارًا بسيطًا بل هو مستقبل أبنائها.