تتسارع التطورات التكنولوجية ويتسع نطاق التدخل البشري في مختلف القطاعات، آثار هذا التدخل لا تقتصر على الصناعة أو الاقتصاد فقط، بل تمتد لتطال الغلاف الجوي والمناخ، محدثة تغيرات مناخية متسارعة وغير مستقرة خلال السنوات الأخيرة.
التغير المناخي
ومصر من بين الدول التي تأثرت بشكل مباشر بهذه التغيرات، إذ أدى ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط سقوط الأمطار وزيادة فترات الجفاف، إلى تهديد أحد أهم القطاعات الحيوية وهو الأمن الغذائي.
تعاني البلاد بالفعل من انعكاسات هذه الظاهرة، أبرزها تراجع إنتاجية بعض المحاصيل الزراعية وتأثر جودتها، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة تتعلق بمستقبل الغذاء، بدءا من انخفاض إنتاجية المحاصيل الأساسية وزيادة الإعتماد على الاستيراد، وصولا إلى إحتمالات نقص المياه العذبة وتضرر الأراضي الزراعية الخصبة في دلتا النيل بسبب التملح أو الفيضانات.
وفي ظل هذه التحديات المتصاعدة، يسعى الخبراء البيئيون والمتخصصون في شؤون المناخ إلى دراسة تأثير التغيرات المناخية على الأمن الغذائي في مصر، وطرح حلول للتكيف والحد من المخاطر المستقبلية. وفي هذا السياق، نناقش آراء عدد من خبراء البيئة والتغيرات المناخية حول حجم الأزمة وسبل مواجهتها.
الصمود المناخي
وبدوره يقول الدكتور وحيد إمام أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في تصريحاته لـ موقع “القصة”، أن مصر حاليا تعد من الدول الأكثر عرضة للتغير المناخي فيما يتعلق بالأمن الغذائي، بسبب اعتمادها الشديد على نهر النيل للري (97% من المياه العذبة)، واستيرادها الكبير للغذاء خاصة القمح، حيث تعد أكبر مستورد عالميًا)، وفقًا لمؤشر (Notre Dame Globa Adaptation Initiative).
تحتل مصر المرتبة 100 من حوالي 190 دولة في الضعف العام أمام التغير المناخي، مع ضعف عالي في قطاعات الغذاء والمياه وفقا لـ تقارير البنك الدولي وIPCC.
وتصنف دلتا النيل كواحدة من أكثر المناطق عرضة عالميا، مع توقعات بانخفاض إنتاجية المحاصيل بنسبة 10-20% بحلول 2050 بسبب الحرارة والجفاف وارتفاع مستوى البحر.
وفي تقارير الأمن الغذائي العالمي (مثل Global Food Security Index)، تحتل مصر مراكز متوسطة إلى منخفضة، مع تصنيف “عالي الضعف” في التكيف مع الصدمات المناخية مقارنة بدول أفريقية جنوب الصحراء أو جنوب آسيا، لكنها أسوأ من دول أوروبا أو أمريكا الشمالية.
أزمة الواردات
وأضاف “إمام ” أن مصر تستورد حوالي 45-50% من احتياجاتها الغذائية، خاصة القمح والزيوت ،بينما يقلل التغير المناخي العالمي الإنتاج في الدول المصدرة الرئيسية “مثل روسيا وأوكرانيا”، مما يرفع الأسعار العالمية ويسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد، كما حدث بعد غزو أوكرانيا 2022، حيث ارتفعت أسعار الغذاء في مصر بنسبة تصل إلى 30%.
وفي ظل ثبات الإنتاج المحلي، يزيد التضخم الغذائي العالمي من تكلفة الاستيراد، و يقلل ذلك القدرة الشرائية للمصريين، إذ يشكل الغذاء 40-45% من نفقات الأسر الفقيرة، ويفاقم الفقر والجوع.
وأشار إلى تقارير البنك الدولي التى تبين أن هذه الصدمات الخارجية تضاعف الضغط على نظام الدعم الغذائي المصري، مع خطر اضطرابات اجتماعية كما حدث في عام 2011.
NCCS
وأكد “إمام” أن السياسات المناخية والزراعية الحالية في مصر غير كافية تماما لمواجهة الجفاف وارتفاع الحرارة المتوقعة رغم وجود تقدم، إذ تمتلك مصر استراتيجية وطنية للتغير المناخي 2050 (NCCS)، وبرنامج NWFE لربط المياه والغذاء والطاقة، ومشاريع للزراعة الذكية مناخيًا (مثل أصناف مقاومة للجفاف والحرارة، وتحسين الري). لكن يظل التنفيذ بطيئا، والتمويل محدود، والتركيز على التكيف أقل من اللازم مقارنة بالتحديات (مثل نقص المياه المتوقع بحلول 2030-2033).
كما تشير تقارير البنك الدولي وFAO إلى حاجة لاستثمارات أكبر في الري الفعال، تنويع المحاصيل، وإعادة استخدام المياه، مع توقع مخاطر إذا استمر الوضع الحالي كـ انخفاض الإنتاجية بنسبة 10-30% للمحاصيل الرئيسية.
وقال إمام، إن مصر تلتزم باتفاق باريس، مع تحديث NDC في 2023 والذي ركز على الزراعة والمياه، لكن الالتزامات مشروطة بتمويل دولي (حوالي 246 مليار دولار).
إضافة إلى وجود فرص ضائعة لدعم الأمن الغذائي مثل قلة الاستفادة من تمويل المناخ الدولي للزراعة المقاومة (يحصل قطاع الغذاء على أقل من 3% من التمويل العالمي)، وعدم استغلال كامل لبرامج مثل Green Climate Fund أو Loss and Damage.
وفي COP27 (التي استضافتها مصر في شرم)، ركزت على الغذاء لكن لم تترجم إلى التزامات مالية كبيرة. وعدم تعزيز الشراكات الإقليمية (مثل مع الكونغو للزراعة خارجيًا)، وزيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة لضخ المياه، ودمج المناخ في نظام الدعم الغذائي.
وأكد إمام وجود بعض السيناريوهات الخطيرة التى من الممكن أن تواجهه مصر خلال السنوات القادمة إذا استمرت الأوضاع المناخية ،كـ استمرار الانبعاثات العالية، مع جفاف متكرر وارتفاع حرارة 1-2 درجة إضافية، و قد ينخفض إنتاج القمح والذرة بنسبة 10-20% بحلول 2035، مع نقص مياه حاد بسبب سد النهضة والتغير المناخي، ما يزيد الاستيراد ويرفع الأسعار بنسبة 20-50%. هذا يؤدي إلى زيادة الجوع المعتدل/الشديد بنسبة 5-10% (ملايين إضافيين)، مع خطر أزمات غذائية حادة إذا تزامنت مع صدمات عالمية (حرب أو جفاف عالمي).
وأشار إلى تقارير البنك الدولي وIPCC والتى تحذر من خسائر اقتصادية تصل إلى 6% من الناتج المحلي، وتهجير ساحلي يؤثر على الإنتاج الزراعي في الدلتا، مما يهدد استقرار اجتماعي.
موت النبات
قال دكتور هشام عيسى، أستاذ العلوم البيئية وخبير التغير المناخي والمنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ، أن مصر تعاني بشكل متزايد من تأثيرات التغيرات المناخية على قطاع الزراعة والأمن الغذائي خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح “عيسى” لـ”القصة”، أن ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن النشاط البشري، مثل استخدام الوقود الأحفوري، أدى إلى اضطرابات كبيرة في المناخ، تشمل تغير مواقع الأمطار، تغير مواسم الرياح، وزيادة درجات الحرارة، وهو ما انعكس مباشرة على عمليات الزراعة في البلاد. وقال: ارتفاع الحرارة يؤثر على عملية التمثيل الضوئي للنباتات، ويقلل من كفاءة البناء الضوئي، ما يؤدي إلى موت أجزاء كبيرة من النباتات وزيادة الفاقد في المحاصيل.
وأشار إلى أن التغيرات المناخية أثرت أيضا على مواعيد الزراعة التقليدية، حيث لم تعد درجات الحرارة في المواسم الشتوية كافية لدعم نمو بعض المحاصيل، ما يؤدي إلى انخفاض الإنبات وزيادة الفاقد الزراعي. وأضاف: ارتفاع الحرارة يزيد من تبخر المياه من التربة، خاصة في المناطق الشمالية مثل البحيرة وكفر الشيخ، ويؤدي إلى تغلغل مياه البحر في الأراضي الزراعية وتملحها، مما يقلل خصوبة التربة.
كما نبه عيسى بأن: ارتفاع درجات الحرارة يضاعف انتشار الآفات الزراعية والأمراض، ويزيد الحاجة لاستخدام المبيدات، وهو ما قد يؤثر على جودة المحاصيل وصلاحيتها للاستهلاك. وقال: مع التغيرات المستمرة، بعض المبيدات تصبح أقل فاعلية لأن الفيروسات والحشرات تتطور، ما يزيد من التحديات التي يواجهها المزارعون.
وعن الإجهاد المائي، أوضح عيسى أن انخفاض نصيب المياه من نهر النيل وقلة الأمطار يؤدي إلى محدودية المياه المخصصة للزراعة، ما يؤثر على إنتاجية محاصيل مثل القمح، الذرة الشامية، البطاطس والطماطم، التي تحتاج كميات كبيرة من المياه. وأكد أن زيادة غمر التربة بالمياه التقليدي، دون تطبيق أساليب الري الذكي، يمكن أن يقلل من خصوبة التربة ويخفض الإنتاجية.
إجراءات التكيف
وفيما يتعلق بالإجراءات العملية للتكيف، قال دكتور عيسى أن مصر بدأت بالفعل في تبني حلول مثل استنباط أصناف مقاومة للجفاف وارتفاع الحرارة، واستخدام الزراعة الذكية والرشاشات الكبيرة والميكنة الزراعية لتقليل الفاقد، واعتماد الطاقة الشمسية لتشغيل نظم الري. وأضاف: الدولة بدأت أيضا في تقديم إرشادات للمزارعين حول موجات الحرارة أو البرد، باستخدام الموبايل الذكي لإعلامهم بالإجراءات الواجب اتخاذها للحفاظ على المحاصيل.
وأكد دكتور عيسى أن هذه الإجراءات لا تزال في طور التوسع، وأن التحديات ما زالت كبيرة بسبب استمرار ارتفاع درجات الحرارة، والتغيرات المستمرة في المناخ، والضغط على الموارد المائية، لكنه شدد على أن الاعتماد على التقنيات الذكية والطاقة المتجددة والتخطيط الزراعي الدقيق يمكن أن يقلل من تأثير التغير المناخي على الأمن الغذائي في مصر، مع ضرورة استمرار الاستثمار والتمويل لمواجهة المخاطر المستقبلية.