على إيقاع الحشود العسكرية والرسائل النارية، تقف الجبهة اللبنانية الإسرائيلية اليوم عند أخطر مفترق طرق منذ سنوات، تحركات غير مسبوقة، وحدات نخبة تُدفع إلى خطوط التماس، وتحذيرات تتجاوز حدود الردع التقليدي، في مشهد يوحي بأن المنطقة تقترب من لحظة اختبار قاسٍ قد يعيد رسم خرائط الاشتباك.
وفي هذا التقرير، نرصد ملامح التصعيد المتسارع على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، ونحلل دلالات الحشود العسكرية غير المسبوقة، وسيناريوهات المواجهة المحتملة بين حزب الله وإسرائيل، في ظل الدور المحوري الذي تلعبه إيران، كما نستعرض التداعيات الإقليمية المتوقعة وانعكاساتها المباشرة على أمن واستقرار المنطقة، وعلى الأمن القومي المصري بشكل خاص
حرب الظل… من المواجهة غير المباشره الي الاستهداف العلني
في هذا السياق، قال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسيه لـ “القصه” إن ما يُعرف بـ”حرب الظل” لم تعد كما كانت في السابق حربًا غير مباشرة أو مرحلة مؤقتة، بل تحولت اليوم إلى نمط صراع مفتوح نسبيًا، إذ باتت إسرائيل تُعلن بشكل واضح عن استهدافها عددًا من قيادات وكوادر حزب الله وحركة حماس، وهو ما يعني بالضرورة دخولها في حالة اصطدام مباشر مع الطرفين.
استراتيجية إسرائيل.. المتابعة والضغط الاستراتيجي
وأوضح فهمي، أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية ترتكز على فكرتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في المتابعة الدقيقة والمراقبة المستمرة لسلوك حزب الله، الذي يتحرك في عدة دوائر بهدف إعادة بناء قدراته العسكرية، لا سيما ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي ومنصات الإطلاق والصورة العامة لقدراته العسكرية.
وأشار إلى أن الحزب يناور سياسيًا وعسكريًا، مدركًا أن وقف إطلاق النار ليس سوى مرحلة مؤقتة، خاصة في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي في خمس مناطق ارتكاز مباشرة، وتحركها في اتجاهات متعددة وفق حسابات وتقديرات دقيقة
دفع حزب الله إلى حافة المواجهة
أما الفكرة الثانية والأكثر خطورة فهي سعي إسرائيل لدفع حزب الله إلى حافة الهاوية، في إطار معادلة ردع متبادل، حيث يتحرك الطرفان داخل قواعد اشتباك مباشرة ومعلنة.
ولفت إلى أن هذا الوضع ينطوي على مخاطر حقيقية قد تؤدي إلى الانزلاق نحو مواجهة محتملة، حتى وإن لم تكن شاملة.
إيران ومعضلة استخدام الوكلاء
وأضاف فهمي، أن إيران باتت ترى أن استخدام الوكلاء لم يعد مجديًا بالشكل الكافي، سواء من خلال ردود جماعة الحوثي أو حزب الله أو الحشد الشعبي في العراق. وأشار إلى أن طهران تواجه مرحلة صعبة، مع تصاعد احتمالات المواجهة، خاصة بعد تحديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهلة زمنية تُقدَّر بنحو 15 يومًا، بما يشير إلى إنذار سياسي قد يعقبه توجيه ضربة محدودة يمكن احتواؤها ضمن حسابات معينة.
الدعم الأمريكي لإسرائيل ومخاطر التصعيد
وأكد أن من الصعب التنبؤ بالسلوك الأمريكي في هذا التوقيت، لا سيما أن الولايات المتحدة تُعد داعمًا رئيسيًا لإسرائيل ونهجها السياسي والعسكري، وداعمة للحكومة الإسرائيلية في مختلف تحركاتها.
وحذر من أن استمرار هذا الدعم قد يترتب عليه ارتدادات خطيرة على أمن المنطقة بأكملها، في حال اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله.
حرب محدودة لا شاملة
وفي تقديره، أوضح فهمي أنه في حال وقوع مواجهة، فلن تكون حربًا شاملة، بل حربًا محدودة ومقيدة، تهدف إلى إضعاف قدرات حزب الله ومنعه من استعادة كامل قوته، مؤكدًا أن إسرائيل لا ترغب في حرب شاملة، رغم عملها المستمر على إعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز جاهزيتها، وتتحرك في هذا الإطار ضمن دوائر استراتيجية محسوبة.
قواعد الاشتباك بعد حرب غزة
وأشار إلى أن قواعد الاشتباك لم تتغير بشكل جذري منذ حرب غزة حتى الآن، وذلك لعدة اعتبارات، من بينها أن إسرائيل ما زالت تُسكّن بعض الجبهات على حساب أخرى. ورغم التهدئة النسبية في غزة ولبنان، فإن الإشكالية الأساسية تكمن في التعامل الحذر الذي قد يؤدي إلى كلفة عالية، وهو ما يدفع إسرائيل إلى التحرك ضمن حسابات استراتيجية دقيقة.
مرحلة انتقالية وضربات محسوبة
واختتم فهمي بالتأكيد، أن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية، في ظل ارتباط الاستراتيجيات الإسرائيلية والأمريكية بما أُعلن عنه ضمن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، وكذلك استراتيجية وزارة الدفاع الأمريكية، التي حددت مصالحها الكبرى، سواء في دعم إسرائيل أو دعم الحلفاء.
وخلص إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضربات محدودة، لكنها لا ترقى إلى مستوى حرب شاملة، سواء بين إيران وإسرائيل، أو بين إسرائيل وحزب الله.
حشود عسكرية غير مسبوقة ورسائل ردع متبادلة
وفي إطار آخر، أكد اللواء شبل عبد الجواد رئيس قطاع مكافحة الإرهاب بالمنظمة العربية الإفريقية ورئيس الشرطة العسكرية الأسبق، أن الأسابيع الماضية شهدت حشودًا عسكرية غير مسبوقة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، كان آخرها نقل الفرقة 98 التي تضم وحدات خاصة وقوات مظلات، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تحمل رسائل ردع مباشرة، في ظل تحذيرات إسرائيلية صريحة لحزب الله من تداعيات أي تصعيد محتمل على هذا الاتجاه.
كلفة الاجتياح البري ورهان الضربات الجوية
وأوضح اللواء عبد الجواد، أن الاجتياح البري سيُعد خيارًا مكلفًا للغاية بالنسبة لإسرائيل، لا سيما مع امتلاك حزب الله شبكة دفاعية معقدة تحت الأرض؛ لذلك، يرجّح أن تعتمد إسرائيل في حال المواجهة على الضربات الجوية المكثفة والمركزة بهدف إضعاف القدرات القتالية للحزب وتقليص فاعليته الميدانية.
صراع إقليمي أوسع وحرب بالوكالة
ولفت إلى أن الصراع بين حزب الله وإسرائيل ليس معزولًا، بل يأتي ضمن سياق الصراع الإسرائيلي اللبناني الأوسع، ويمتد ليشمل صراعًا إقليميًا بالوكالة بين إيران وإسرائيل، حيث يُعد حزب الله أحد أبرز أدوات هذا الاشتباك غير المباشر.
الدور الإيراني واستخدام الجبهات كورقة تفاوض
وفي هذا السياق، شدد اللواء شبل على أن إيران تُعد الداعم الرئيسي والمحرك الأساسي لحزب الله، واصفًا الحزب بـ”الذراع الطويلة” لطهران في المنطقة.
وأضاف أن طهران تستخدم الجبهة اللبنانية كورقة تفاوض مع الغرب وإسرائيل، مستشهدًا بتوظيف حرب غزة لتشتيت الأنظار عن برنامجها النووي، مؤكدًا أن هذا النهج لم ينجح في تغيير حسابات إسرائيل والولايات المتحدة.
سيناريو الحرب الأقرب.. ضربات جوية مركزة
وأشار إلى أن سيناريو المواجهة بات واردًا وبقوة، مرجحًا أن يبدأ بهجمات إسرائيلية جوية مركزة لإضعاف حزب الله، وليس نتيجة ضربة خاطئة أو اغتيال عابر. وبيّن أن الدعم الأمريكي والضغوط المتزايدة على الحزب يجعل أي حرب محتملة “مقصودة ومخططًا لها”بهدف إحداث إنهاك عسكري واسع.
تداعيات إقليمية وتأثيرات مباشرة على مصر
وحذّر شبل من أن اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله سيؤثر على المنطقة بأكملها، وليس على دولة بعينها.
وأكد أن لذلك انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري، خاصة ما يتعلق بالملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس والسياحة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، شدد على أن مصر تمتلك جيشًا وطنيًا قويًا قادرًا على حماية أمنها القومي في مختلف الاتجاهات، رغم توقع تأثيرات اقتصادية سلبية محتملة.
تغيّر قواعد الاشتباك والتفوق العسكري
واختتم اللواء شبل عبد الجواد، بالإشارة إلى تغير قواعد الاشتباك منذ عام 2006 حتى اليوم، مؤكدًا أن التفوق العسكري يميل لصالح إسرائيل بفضل جيشها المتقدم ومنظومات الدفاع الجوي والقوة الجوية الحديثة، إضافة إلى الدعم الأمريكي والغربي. ورغم قدرة إسرائيل على إلحاق خسائر فادحة بحزب الله، فإن تطورات الأيام المقبلة ستحدد مسار المشهد وحدود التصعيد.